مخاطبة القلوب للوصول إلى الجيوب

ليس كل مسكين أو ضعيف انتهازيا ومخادعا. وعموما، إن لم يكن هناك أي “مسكين” في العالم، ربما لما كان الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو قد ألف روايته الشهيرة "البؤساء".
الخميس 2020/05/21
التمسكن.. دور في الحياة يجيده الكثيرون

معظمنا لا تروق له كلمة “مسكين” ولا يحبذ أن ينعته بها غيره، ولكننا نستعملها باستفاضة في التعبير عن وضعيات اجتماعية وحالات سلوكية صعبة ومستهجنة، وهو أيضا دور في الحياة يجيده الكثيرون ويمارسونه بامتياز، ولا يشعرون بسببه بالمهانة أو الذل، لأن هذا الأمر لا يخطر على بالهم من الأصل، وفي جميع الأحوال ينجحون في الوصول إلى مآربهم الشخصية.

وربما يكون قرابة نصف معارفنا وأصدقائنا من هذا الصنف من البشر ونحن لا نعلم ذلك، ومن المؤسف أننا قد لا نكتشف شخصياتهم الحقيقية إلى بعد سنوات من العشرة.

قرأت بالصدفة قصة منشورة على فيسبوك يحكي صاحبها عن امرأة بارعة في “التمسكن”، يقول فيها إنه قد وقع ضحية خداع واحتيال لامرأة، تعرف عليها على فيسبوك ثم التقاها على أرض الواقع، وبعد عدة مقابلات ادعت أنها يتيمة الأبوين وتعيش مع جدتها المريضة، وأنها قد حصلت لتوها على عمل كنادلة في أحد المطاعم، وحدثته عن ظروفها الاجتماعية الصعبة، وكيف تتكفل بمفردها بعلاج جدتها المصابة بسرطان الثدي وشراء أدويتها باهظة الثمن، إلى جانب مصاريف المعيشة الأخرى.

ولتجعل قصتها تبدو أكثر واقعية، طلبت منه أن يسمح لها بتحويل راتبها الأول إلى حسابه، إلى أن تتمكن من فتح حساب لها في البنك، مدعية أن صاحب المطعم يرفض تسليمها شهادة عمل في الوقت الحالي، وهي من ضمن شروط البنك لفتح الحساب.

 وبالفعل تم تحويل راتبها إلى حسابه الخاص، وهكذا تمكنت من كسب ثقته ثم طلبت منه في أحد الأيام إقراضها المال لعلاج جدتها، وبسبب إشفاقه على حالها ومشاعره المتدفقة تجاهها طلب قرضا من المؤسسة التي يعمل فيها، ليساعدها في محنتها المزعومة، وهو لا يعلم أنه سيكون ضحية عملية احتيال محترفة، وبعد أن تسلمت منه المال، اختفى حسابها من فيسبوك وأصبح هاتفها خارجا عن الخدمة، فلم يستطع تبليغ الشرطة عنها لأنه لا يعرف لها لا مكانا ولا عنوانا، كما أنه لا يمتلك أي دليل إدانة ضدها، وهكذا أصبح مجبورا على دفع القرض الذي لم ينتفع به شخصيا.

تُبرز قصة هذا الرجل قوة “التمسكن” عندما يكون في حوزة شخصيات قادرة على لعب أدوار أكثر انتهازية ومراوغة، وقد ينجحون في استمالة مشاعر الغير والتأثير فيهم، وجعلهم يخضوع لإرادتهم.

على أية حال، ليس كل مسكين أو ضعيف انتهازيا ومخادعا. وعموما، إن لم يكن هناك أي “مسكين” في العالم، ربما لما كان الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو قد ألف روايته الشهيرة “البؤساء”، التي خلدت قوله الشهير “تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفا اجتماعيا، هو نوع من جحيم بشري. فطالما توجد لا مبالاة وفقر على الأرض، كتب كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائماً”.

24