مخاوف متصاعدة من هيمنة الأحزاب على المحكمة الدستورية في تونس

البرلمان التونسي يصادق على تعديلات تمهد لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية في ظل مشاحنات قد تزيد من تعقيد الوضع وتنذر ببوادر تواصل الاحتقان السياسي.
الجمعة 2021/03/26
النهضة تريد محكمة دستورية على مقاسها

لا يزال مسار إرساء المحكمة الدستورية للفصل في النزاعات السياسية يثير الجدل في تونس وسط مخاوف متصاعدة من تأسيس هيكل قانوني ودستوري على مقاس الأحزاب الحاكمة ويخدم بدرجة أولى أجنداتها في الحكم. إلا أن متابعين يتوقعون أن تلقي جلسات البرلمان الصاخبة والعراك المستمر بين النواب بظلالهما سلبا على جلسات انتخاب بقية أعضائها.

تونس- تتصاعد المخاوف في تونس بعد مصادقة البرلمان على تعديلات تخص القانون الأساسي للمحكمة الدستورية التي طال انتظارها، من هيمنة الأحزاب الحاكمة على مكونات المحكمة والتحكم في مفاصل قرارها، في ظل المناخ السياسي المتوتر واستمرار المعارك حول الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث (رئاسة، حكومة، وبرلمان).

وصادق البرلمان ليل الأربعاء – الخميس على تعديلات كانت تقدمت بها الحكومة سنة 2018، لتعديل وإتمام القانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية، بأغلبية 111 نائبا، مقابل 9 محتفظين ودون اعتراض، تمهيدا لانتخاب أعضاء المحكمة في أبريل القادم.

ووفق القانون، يجب حشد 145 نائبا لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، وهو ما يحول دون تشكيلها حتى الآن، ما أطلق مساع لتعديل القانون من أجل خفض عدد النواب المطلوب.‎

وصوّت النواب على الفصول الخمسة لهذه التعديلات، وتراوح عدد المصوتين لفائدتها بين 130 و113 نائبا.

وعلى الرغم من تنصيص الدستور التونسي على إرساء هذه الهيئة في أجل سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية، التي أجريت في أكتوبر عام 2014، إلا أن البرلمان عجز عن إرسائها، بسبب التجاذبات السياسية وعدم بلوغ النصاب القانوني لانتخاب الـ4 أعضاء في حصة البرلمان وهو 145 صوتا. ووقع انتخاب عضو واحد فقط وهي القاضية روضة الورسيغني في مارس عام 2018.

رابح الخرايفي: هناك مخاوف من تعطيل الجلسات خلال انتخاب الأعضاء المتبقين

ويُعرف الدّستور في فصله 118، المحكمة الدستورية بأنها “هيئة قضائية مستقلة تتركب من 12 عضوا من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن عشرين سنة. يعيّن كل من رئيس الجمهورية ومجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات”.

وتتمثل اختصاصات المحكمة الدستوريّة أساسا في مراقبة دستورية كل من تعديل الدستور والمعاهدات إلى جانب مراقبة دستورية مشاريع القوانين ومراقبة دستورية النظام الداخلي للبرلمان.

وتتعهّد المحكمة الدستوريّة بمهام أخرى وهي إعفاء رئيس الجمهورية وإقرار فراغ منصبه، وتلقي يمين القائم بمهام الرئيس واستمرار الحالة الاستثنائية والنظر في النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وبدل أن يتم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية من قبل متخصصين جامعيين في القضاء والمحاماة يتوفر فيهم عنصر الكفاءة والنزاهة، انتقلت المسألة إلى أروقة البرلمان بأحزابه السياسية المتناحرة.

ويبدو أن المشاحنات التي شهدتها أروقة البرلمان مؤخرا ووصلت حدّ الشجار والتعنيف الجسدي، فضلا عن التوتر السياسي الذي رافق الجلسات الأخيرة، ستزيد من تعقيد الوضع وتنذر ببوادر تواصل الاحتقان والعراك السياسي، في وقت بدأ فيه ملف المحكمة الدستورية يرى النور بعد أن كان حبيس الرفوف والشعارات لسنوات طويلة.

وأفاد رابح الخرايفي الباحث في القانون الدستوري وعضو الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية أن “التعديل جاء متأخرا، لكنه من حيث الجدوى لامس جوانب مهمة، أبرزها تعديل الفصل 10 من القانون الأساسي للمحكمة بحذف عبارة تباعا”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن “مبادرة رئيس البلاد والمجلس الأعلى للقضاء جيدة، وتخفيض عدد المصوتين من 145 إلى 131 نائبا لضمان الكفاءة كذلك خطوة إيجابية تزيح التخوف من فرضية 109 التي تكرس هيمنة طرف دون آخر”.

وبخصوص المخاوف المتصاعدة من هيمنة أطراف سياسية على المحكمة دون سواها، يعتقد الخرايفي أنّ “هناك توجسا من أن تتعطل مرة أخرى عملية تركيز المحكمة الدستورية، لأن البرلمان أصبح فيه نوع من العبث في السلوك السياسي خصوصا بين نواب كتل ائتلاف الكرامة والدستوري الحر والتيار الديمقراطي وحركة النهضة”.

وتابع “هناك مخاوف من تعطيل سير الجلسات العامة وبشأن الثلاثة أعضاء المتبقين والذين لم يتم تعيينهم بعد خصوصا بعد تهديدات نواب المعارضة على غرار رئيسة كتلة الدستوري الحر عبير موسي والنائب منجي الرحوي”.

وفضلا عن المخاوف من عجز البرلمان على عقد جلساته، تطرق الباحث في القانون الدستوري إلى “إمكانية تأخر الرئيس قيس سعيد في تقديم 4 أعضاء”.

وشرح بالقول “لا نملك معايير نقيس بها السلوك السياسي لسعيّد، بالإضافة إلى التخوف الجدي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء الذي لم يضع طريقة لانتخاب 4 أعضاء وهو ما قد يؤجل استكمال مسار تركيز المحكمة”.

وأردف “الرئيس سعيد منتفع من غياب المحكمة لأن القرارات الدستورية الرسمية تعود إليه، وفي صورة تركيزها ستزول هذه القرارات وسيصبح خاضعا لكل القوانين”.

فتحي العيادي: النهضة ستتقدم بمرشح وحيد، والتصويت مرتبط بإرادة النواب

ورفض عديد النواب من عدة كتل برلمانية نتيجة التصويت على الفصل الأول معدّلا دون عرضه على شاشة قاعة الجلسة العامة أو توزيعه ورقيا، وهو ما اعتبروه إخلالا بالقانون وبالنظام الداخلي للمجلس النيابي.

وشملت التعديلات المقترحة من الحكومة أساسا الفصول 10 و11 و12 من القانون الأساسي الحالي للمحكمة الدستورية، والذي سبق أن أجازه البرلمان السابق سنة 2015.

وبينما ارتبطت المخاوف سابقا بإهمال ملف المحكمة الدستورية، باعتباره ظل مطلبا سياسيا مكررا في عهد جل الحكومات المتعاقبة، ترى شخصيات سياسية ممثلة في السلطة أن المخاوف زادت وتيرتها بعد التعديلات الأخيرة.

وأكد المتحدث الرسمي باسم حركة النهضة فتحي العيادي في تصريح لـ”العرب”، “نحن تجاوزنا الوضعية السابقة والحالة التي كانت عليها الترشيحات (الكتل هي من ترشح)، والآن تحيل اللجنة الأسماء المقترحة على الجلسة العامة للتصويت ودور الأحزاب ترشيح 4 من 12 مرشحا، السلطات الثلاث هي شريكة في تأسيس المحكمة التي تراقب بقية السلطات والمطلوب أن يقع احترامها”.

وبشأن الاتهامات الموجهة لحركة النهضة بإمكانية الهيمنة على مفاصل المحكمة الدستورية، قال العيادي “لو كان الرئيس هو عبدالفتاح مورو الذي رشحته الحركة في السباق الرئاسي الأخير، حينها يمكن أن نتحدث عن هذه المخاوف”.

مستدركا “هي الآن أقرب إلى حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب”. لافتا إلى أن “النهضة ستتقدم بمرشح وحيد، والتصويت الآن مرتبط بإرادة النواب”.

وأشار إلى أن “عملية التصويت المزمع تنظيمها في جلسة عامة يوم 8 أبريل المقبل ستكون وفق القانون السابق ومن يحوز على 145 صوتا يمر”. مبديا أمله في التوصل إلى حل وأن تتحمل كل الأطراف مسؤولياتها.

لكن مرشح النهضة أثار لغطا سياسيا، وقال النائب عن حزب الوطد منجي الرحوي إن “مرشح الحركة لعضوية المحكمة الدستورية هو عضو في اتحاد علماء المسلمين ولدي ما يثبت من الوثائق”. وأكد في تصريح إعلامي “أنه لم يصوت على مشروع قانون تنقيح المحكمة الدستورية وأنه ليس موافقا على هذا القانون ورافض لقرار التقليص في عدد الأصوات”.

وينص مشروع القانون الأساسي المتعلق بتعديل وإتمام القانون الأساسي للمحكمة الدستورية، بالخصوص على أنه في صورة لم يحرز المرشح للمحكمة الدستورية الأغلبية المطلوبة (145 صوتا) بعد ثلاث دورات متتالية، يتم المرور إلى انتخاب بقية الأعضاء بالاقتراع السري بأغلبية الثلاثة أخماس في ثلاث دورات متتالية، فإن لم يحرز العدد الكافي من المرشحين الأغلبية المطلوبة، يتم المرور إلى دورة ثانية يتم فيها انتخاب بقية الأعضاء بالاقتراع السري بأغلبية الثلاثة أخماس.

وشهدت الجلسة العامة أجواء من الارتباك والتشنّج بسبب استعمال رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي لمضخم صوت وسط قاعة الجلسة العامة للتعبير عن رفضها لعدم تقديم مقترح التعديل مكتوبا، وقيام عضو من الكتلة ذاتها بمحاولات بث مداخلات مسجلة بالهاتف لموسي للدفاع عن مقترحات لهذه الكتلة، تم رفضها من قبل النواب. وتمّ منع موسي من التدخل خلال الجلسة استنادا لقرار سابق من مكتب البرلمان بحرمانها من التدخل خلال 3 جلسات متتالية.

واعتبرت وزيرة العدل بالنيابة حسناء بن سليمان أن الهدف من التعديلات المقترحة من قبل الحكومة “تجاوز الإشكالية الحالية لاستكمال انتخاب بقية أعضاء المحكمة الدستورية”، مؤكدة “وجود إجماع واتفاق على أهمية هذه المؤسسة الدستورية للبت في الخلافات والنزاعات”.

على الرغم من تنصيص الدستور التونسي على إرساء هذه الهيئة في أجل سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية إلا أن البرلمان عجز عن إرسائها بسبب التجاذبات السياسية

وبالموازاة مع ذلك يواصل كل طرف في السلطة التمسك بمواقفه السياسية، ما قد يزيد من تعقيد الأزمة الرامية بظلالها على كل القطاعات. وأكّد رئيس كتلة حزب قلب تونس بالبرلمان أسامة الخليفي، أن “السبيل إلى حلّ الأزمة السياسية في تونس هو الحوار والتزام كل طرف بصلاحياته الدستورية”.

ودعا الخليفي في تصريحات صحافية الرئيس سعيد، إلى “الرجوع إلى منطق الحوار”، معتبرا أن “سعيّد اختار تمشيا خاطئا يمكن أن يُضر بالدولة وتماسك الشعب التونسي والمسار الديمقراطي كله”. لافتا إلى أنه “عندما يتدخل رئيس الجمهورية في صلاحيات رئيس الحكومة فهذا خرق للدستور”.

وشدد على أن حزبه “متمسّك بمساندة الحكومة والتمشي الدستوري الواضح في نظام يعطي لكل طرف صلاحياته”، مبيّنا أن “رئيس الجمهورية له صلاحياته في الدفاع والسياسة الخارجية، ورئيس الحكومة له صلاحيات السلطة التنفيذية يتشاور فيها مع البرلمان ورئيس الجمهورية، لكن لا يجب لأحد أن يتجاوز صلاحياته ومبدأ الفصل بين السلطات تحدّده المحكمة الدستورية”.

4