مدفع رمضان يعيد للأردنيين نكهة الصيام في الزمن الجميل

طلقات تدوي في أرجاء المدينة معلنة عن قدوم شهر رمضان وموعد الإفطار.
الثلاثاء 2019/05/21
لغته التكنولوجيا وأعاده الحنين

مازالت العديد من الدول العربية تعتمد على المدفع الرمضاني للإعلان عن موعد الإفطار، لكن في الأردن غابت هذه العادة الجميلة عن العاصمة عمان لفترة تفوق النصف قرن لتعود من جديد وتعيد معها ذكريات الزمن الجميل.

عمان - أضحى بوسع الصائمين في العاصمة الأردنية عمان الاستماع لدوي إطلاق مدفع رمضان كإعلان لحلول موعد الإفطار، بعد أن كانوا يعتمدون بشكل أساسي على صوت أذان المغرب يتردد من مآذن المساجد.

وقد أعادت مبادرة حكومية الحياة لمدفع رمضان، ذلك التقليد الذي يرجع لعقود مضت حين كانت تدوي طلقاته فيسمعه الصائمون في كامل أرجاء المدينة.

وقال ممثل عن وزارة السياحة إن هذه المبادرة جاءت بالتعاون بين أمانة عمان الكبرى والقوات المسلحة الأردنية وإدارة الآثار.

ويوضح عيسى قموه أمين عام وزارة السياحة أن تقليد إطلاق مدفع رمضان في الأردن يعود لخمسينات القرن الماضي من على جبل القلعة في عمان لما له من ارتفاع وإطلالة على كل أحياء العاصمة.

ويمثل المدفع نكهة خاصة لبداية تحري هلال رمضان ومدفع الإفطار وحتى العيد، والذي شكل عودته فرحة كبيرة وخاصة بين أهالي عمان. وقال قموه “هذه من العادات والتراث القديم، من خمسينات القرن الماضي، كان دائما في شهر رمضان المبارك يبدأ الإفطار للصائمين بعد صوت المدفع، لكن ذلك انقطع لفترة فأعدناه مرة أخرى وهي عادة موجودة الآن تتربع في منطقة جبل القلعة كما كانت”.

ودعت وزارة السياحة نحو ألف يتيم من ملاجئ مختلفة ليتناولوا إفطارهم قرب المدفع الأسبوع الماضي، في مسعى لتعريفهم بتراث أردني قديم.

واحتشد الحضور حول المدفع قبل نحو نصف ساعة من موعد غروب الشمس لالتقاط صور ومتابعة لحظة إطلاق مدفع الإفطار.

وقال وسيم باكير، عضو في جمعية أيتام طيرة حيفاء للفقراء والمساكين، “تذكرت الأيام القديمة كلها، حين كنت طفلا والآن أحسست أنني طفل مع الأطفال، فرحنا كثيرا حين رأينا المدفع وأخذنا صورا معه، لقد عادت لنا أيام الماضي الجميلة”.

وقال الشاب يوسف العسل (16 سنة) “استمتعنا حين أفطرنا على صوت المدفع بدلا من صوت الأذان. الأذان شيء أساسي، لكن صوت المدفع أحلى، وأذكر أنه كان عندنا في مدينة إربد أو محافظة إربد بالأحرى مدفع على تل إربد معروف عندنا في وسط البلد”.

ونشأ تقليد إطلاق مدفع الإفطار في مصر في القرن الخامس عشر قبل أن ينتشر منذ ذلك الحين في أنحاء المنطقة العربية.

وكان المدفع أيام زمان عبارة عن قذيفة من الورق والخرق، تدفع بالقليل من البارود عبر فوهة مدفع قديم، فتحدث صوتا يسمعه كل من في المدينة، إعلانا عن بدء الإفطار عند المغرب، فيتناول الصائمون أولا كأسا من الماء أو بضع حبات من التمر ثم يصلون المغرب، وبعدها يشرعون في تناول إفطارهم مبتدئين بصحن من الشوربة التي عادة ما تتكون من الخضروات الطازجة والشعيرية، إضافة إلى صحن من السلطات، ثم يتناولون الطبق الرئيسي الذي يتكون غالبا من الأرز واللحم أو الدجاج، إضافة إلى بعض المقبلات مثل فتة الحمص باللحم المفروم والمتبلات والمخللات.

ويفضل البعض أطباقا مثل المقلوبة بالدجاج أو الباذنجان، بينما يفضل البعض الآخر الأكلة الأساسية والمشهورة في الأردن وهي وجبة (المنسف) وفي السهرة يتناول الأردنيون الحلويات، وهي القطايف بالجوز والجبنة وهي الحلوى الأكثر شهرة والألذ في شهر رمضان الأردني.

ولرمضان في الأردن أطباق حلويات مشهورة، ولكن القطايف وهي فطيرة صغيرة حجمها أصغر من كف يد الإنسان سهلة الصنع قليلة التكاليف وتغمس بالقطر، هي الحلوى التي توجد بشكل يومي ودائم على مائدة الجميع.

وكان المدفع قديما يعلن أيضا عن موعد السحور، كما كان إيذانا بقدوم العيد، حيث تطلق قذائف صوتية بعد صلاة المغرب في آخر يوم من أيام الصوم، وكان لطلقات مدفع رمضان صدى من السعادة والبهجة عند الناس خاصة عند الأطفال الذين يترقبون العيد ليلبسوا ثيابهم الجديدة وليخرجوا في فسحة مع العائلة يزورون فيها الجيران والأهل.

الأردنيون يحتفون برمضان
الأردنيون يحتفون برمضان

ولرمضان في الأردن طعم جميل، ولهذا ينتظره الأردنيون بفارغ الصبر، حيث أنه شهر تكثر فيه صلة الرحم والمظاهر الاحتفالية كالخيم والسهرات الرمضانية، وانتشار الموائد الخيرية التي تنظمها مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية لتقديم الإفطار للمحتاجين.

ويتذكر بعض كبار السن رمضان أيام زمان، حيث الجلسات العائلية وزيارة الأقارب والسهرات العائلية التي كانت تمتد لساعات طويلة حتى السحور والتواصل مع الجيران.

وتقول التسعينية أم فهمي إن ما يتواجد على موائد رمضان كان معظمه من إنتاج أرضهم وفلاحتها، من القمح والخضروات والفواكه واللبن والحليب والسمن المصنوع من حليب مواشيهم، والعصائر كانت مصنوعة من المشمش والتي يعدونها قبل فترة من قدوم شهر الصيام.

وتقول الحاجة سعاد أم ربيع إن العصائر لم تكن أغلبها موجودة في الماضي وكانت تقتصر على عصير عرق السوس لاعتقادهم بأنه يمنع العطش ويرطب الجسم ويعين على تحمل الصيام وخاصة أيام الحر، إضافة إلى بعض الحلويات والتي كانت تصنع يدويا ومنها الهريسة.

ويفتقد سامي المعايطة (طبيب) الكثير من طقوس رمضان وأبرزها المدفع والذي كان يمثل نكهة خاصة لبداية تحري هلال رمضان ومدفع الإفطار وحتى العيد، والذي شكل عودته فرحة كبيرة وخاصة بين أهالي عمان.

وأشار إلى أن الناس كانت أكثر ألفة ومحبة وكانت تفطر نفس الفطور، غنيها وفقيرها، بسبب الصحون الطائرة التي كانت تدق الأبواب قبيل الإفطار والتي كانت تزيد من الفرحة على مائدة الصائمين وتنوع موائدهم، ولكن اختلف ذلك كثيرا بعد أن فقدت الكثير من تلك الطقوس.

وتختلف أم محمد المحسيري برأيها عن رمضان الحاضر، وتقول إنه أجمل وأحلى من حيث تواصل الأهل وكثرة الزيارات، فرمضان اليوم يستعد له بالتزيين والإضاءة الملونة والفوانيس الرمضانية والتي كنا نفتقر لها خلال أجواء رمضان الماضي، مشيرة إلى أن رمضان اليوم تكثر فيه الزيارات والسهرات المتواصلة حتى وقت السحور وبعضها قبيل صلاة الفجر.

وتعبر السبعينية أم زكي الشركسي بالقول إن رمضان اليوم أجمل في ظل التطور التكنولوجي، حيث شاشات التلفاز التي تقدم برامج دينية ومعرفية وترفيهية متنوعة، مشيرة إلى أن شهر رمضان له برامجه الخاصة والتي تتميز بطابعها الديني والبرامج الدرامية والتي أصبح بعضها مشهورا يتواصل عرضه لسنوات.

20