مراد هوفمان مفكر ألماني يرثيه المسلمون ولا يفتحون كتبه

هوفمان لا يستغرب من تراجع العلوم عند المسلمين بعد هيمنة فقهاء الشريعة وأبحاثه قائمة على الجدل والتفكير وحرية التحليل.
السبت 2020/01/18
شخصية ذات بعد خاص

قبل أيام معدودة رحل عن عالمنا مراد ويلفريد هوفمان الذي ظلت حياته وأفكاره مثار جدل وتساؤلات للكثيرين. البعض تعجب من إقبال هوفمان الكاثوليكي الألماني والدبلوماسي المخضرم على الإسلام في ظل تصاعد الحركات الإسلامية المتشددة، وهو الذي أعلن اعتناقه لدينه الجديد في خريف العام 1980. والبعض الآخر رأى في ظهور هوفمان تكراراً لمشهد ولادة مستشرق جديد يلامس الحياة والفكر الإسلاميين من بعيد دون أن ينغمس في إشكالياتهما التي لم تجد حلولاً بعد بين المسلمين أنفسهم.

ورغم مرور عقود طويلة على نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن الألمان ما زالوا يكررون مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرشل عن الديمقراطية، وعن كونها “أسوأ أشكال الحكم، باستثناء كل الأشكال الأخرى التي تمّت تجربتها”، مبررين بذلك مساوئ النظام الديمقراطي. غير أنهم يعتبرونه أفضل السيّئ. هوفمان، بدوره، انطلق في رحلته نحو الإسلام من تلك النقطة، فهو يرفض الاعتراف بأن الديمقراطية الغربية هي أفضل ما أنتجته البشرية، مضيفاً إلى ما يرفضه “العلمانية والرأسمالية” في الوقت ذاته.

يتنبأ هوفمان بأن القرن الحالي، وقد كتب نبوءته تلك قبل سنوات من انقلاب الألفية، هو قرن إسلامي بجدارة وسوف ينبعث من أوروبا. لكن كيف؟

فهم جديد للإسلام

شكّل كتابه “الإسلام كبديل” نوعاً من الصدمة للجمهور الألماني، فهوفمان يؤكد في مقدمته التي وقّعها في مدينة الرباط بالمغرب، أن العالم نظر إلى الإسلام كطريق ثالثة بين الرأسمالية والشيوعية أيام الحرب الباردة، لكنه اليوم البديل للنظام الغربي برمته. وهو ليس واحداً من البدائل للعصر ما بعد الصناعي الغربي، بل هو البديل الأوحد على حد قول هوفمان.

رؤية هوفمان للإسلام، تصفها المستشرقة الألمانية القديرة آنا ماريا شيمل، بأنها أقرب إلى رؤية الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال، من حيث كونها دعوة لتجديد فهم الإسلام وأفكاره، بعيداً عن التشدد الذي حاربه آخرون يشبهون تجربة هوفمان مثل فضل الرحمن وسواه.

هوفمان يعد شخصية ذات بعد عالمي، وقد نال العديد من التكريمات، من بينها جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم التي صنفته "شخصية العام الإسلامية" سلمه إياها الشيخ محمد بن راشد.
هوفمان يعد شخصية ذات بعد عالمي، وقد نال العديد من التكريمات، من بينها جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم التي صنفته "شخصية العام الإسلامية" سلمه إياها الشيخ محمد بن راشد.

وكثيراً ما ينتقد هوفمان الغرب لأنه نظر إلى الإسلام على أنه دين انتشر بالسيف، بسبب رسائل النبي محمد إلى هرقل وبسبب الغزوات والحروب في بلاد الشام ثم بعد حين حصار القسطنطينية، ويتهم الغرب بأنه ثبّت فكرته عن الإسلام عند تلك اللحظة وعلى تلك الهيئة. غير أن هوفمان يتسامح مع كون تلك الفكرة ليست حكراً على الغربيين وحدهم، بل إن غالبية من المسلمين ترى هذا، وتعتقد أن السيف أسبق من الفكر في انتشار العقيدة.

في كثير من مفاصل شغل هوفمان على “الإسلام البديل” نراه يلاحق التاريخ، ليكون الدليل الذي يتخذه هوفمان على صحة نظريته. فقد كان ردّ الغرب على انتشار الإسلام، بالحروب “الصليبية” وبحصار القسطنطينية المسيحية على يد المسيحيين اللاتين أنفسهم لا المسلمين. وصولاً إلى منتصف القرن العشرين حين صعدت الحضارة الغربية لتشكل النموذج المتفوق تكنولوجيا وحضارياً، وبات على الناس، حسب هوفمان، أن يتخذوا من ذلك النموذج قدوة يحذون حذوها، فلا ثقافات ولا حضارات أخرى، وبات على سكان الأرض أن يرتدوا الجينز ويأكلوا الهمبرغز ويشاهدوا “سي أن أن” ويدخنوا المارلبورو. بينما انشغل العالم الإسلامي بالبحث عن أسباب تدهوره وانحطاطه.

ثلاثة أسباب جوهرية، يضعها هوفمان، تفسر الأوضاع الحالية للإسلام، أولها الضربتان اللتان تلقاهما في المغرب، وبالتحديد في الأندلس على يد الأوروبيين وفي بغداد على يد المغول، وثانيها ما طرأ على الفقه الإسلامي في القرن الرابع عشر، حين تم إغلاقه تماماً، فساد الجمود الفكري بين المسلمين. أما السبب الثالث فهو الطفرة العلمية التي شهدها العالم الغربي، والتي كان لا بد لها كي تنجح من أن تقلّص من الإيمان المسيحي ذاته ولم يكن الأمر موجهاً ضد دين معين.

أصبح العالم في القرن التاسع عشر عالماً بلا إله، كما يروي هوفمان، وظهر ماركس وفيورباخ وبعدهما نيتشه وداروين وفرويد وراسل، وساد المذهب الكمّي الذي لا يعترف إلا بما يمكن قياسه، وباتت فكرة أن يكون هناك إله في الكون “مجرد احتمال”. وهكذا دخلنا إلى القرن العشرين والناس تعبد آلهة أخرى غير ذلك الإله، إنها القوة والمال والجنس والجمال والشعبية. وهنا يتساءل هوفمان مع غيره ممّن وقفوا عند تلك التحولات؛ ماذا أصاب الإسلام؟ فيجيب بسرعة “إن الذي أصاب الإسلام هو ما أصاب الغرب”.

غير أن نجاح الرأسمالية العالمية الساحق، أخذ، بداية من ستينات القرن الماضي وسبعيناته، يقوّض الأساس الأخلاقي للرأسمالية ذاتها، ذلك الأساس الذي وضعه ماكس فيبر مستمداً إياه من البروتستانتية. ليبدأ عصر التدمير الذاتي من داخل المنظومة ذاتها.

يدلل هوفمان على ذلك الانهيار بالتحولات التي طرأت على الدلالات في لغة العالم الغربي، فأصبحت الفردية نرجسية، والأخوّة اجتماعاً على الحفلات، والتحرر فسقا، والحرية الشخصية فوضى أخلاقية، والتسامح إلى تساو ما بين الخير والشر، والتنافس إلى جنون الاستهلاك، والمرونة إلى كراهية التقاليد. فأخذت المجتمعات الصناعية تواجه نوعاً من الخلل تجسده الجماعات الرافضة للمجتمع التي تبحث عن نظام بديل لذلك الذي أعطاها الحرية والرفاه. فهي، كما يرى هوفمان، تفتقد الأمان وتؤرقها التكنولوجيا المفرطة وتأليه العقل والردع النووي.

استغلال الإسلام

رفضُ الإسلاميين لعلوم الغرب وثقافته ومحاولتهم أسلمة المعرفة ظاهرة يقول هوفمان إنها تذكّره بما فعله الألمان في الثلاثينات من القرن الماضي حين حاولوا تنقية العلوم من الآثار اليهودية
رفضُ الإسلاميين لعلوم الغرب وثقافته ومحاولتهم أسلمة المعرفة ظاهرة يقول هوفمان إنها تذكّره بما فعله الألمان في الثلاثينات من القرن الماضي حين حاولوا تنقية العلوم من الآثار اليهودية

في العالم الإسلامي يرصد هوفمان صعود نماذج عربية اعتبرها نماذج لدول حاولت استلهام النمط الغربي، مثل مصر والجزائر وتونس، ورغم أنه يعطي للبلدين الأخيرين مكانة خاصة حين يتحدث عن دستور علماني ظهر في كل منهما، إلا أنه يعتبر أنها جميعها نماذج فاشلة.

في المقابل يراقب صعود التيارات الإسلامية في سبعينات القرن العشرين والتي قال إنها وصفت بالمتشددة، وهو يرى أن هناك نوعاً من التزييف في التعريف به، فغالبية المؤرخين يرون أنها حركات احتجاجية، بينما هي عودة للمقدس في الحياة. وهنا يرفع هوفمان صوته بالقول إن هناك الكثير من تلك الحركات حاولت استغلال الإسلام لأسباب سياسية.

لا يستغرب هوفمان من تراجع العلوم عن المسلمين، بعد هيمنة فقهاء الشريعة، فلطالما كانت الفلسفة والعلوم مرفوضة عند فقهاء المسلمين، واتهموها بلعب دور هدّام، بينما أعطوا الاهتمام الكبير للعلوم الشرعية، وفي الوقت الذي كان عدد تلاميذ المدارس الثانوية في مصر لا يتجاوز خمسة ألاف، كان عدد طلاب الأزهر يصل إلى أحد عشر ألف طالب في العام 1875. هذا التيار كان قد تمكن من غلق أول مطبعة في العالم الإسلامي بعد أقل من 17 عاماً من افتتاحها وتمكن قبل ذلك أيضاً من إنهاء العمل بمرصد إسطنبول الفلكي الذي عاش سنة واحدة فقط.

وكان أقسى الهجمات هجمات الغزالي ضد الفلسفة في “تهافت الفلاسفة”، ورغم أن ابن رشد ردّ عليه بعدها بسنوات، بكتابه “تهافت التهافت” إلا أن المسلم السني اقتنع منذ ذلك الحين أن المعرفة الحقيقة والوحيدة والكافية هي الالتزام بما يقوله الفقهاء.

أصوليون خطرون

ما زاد الطين بلة، حسب هوفمان، التحاق المثقفين العرب بنظرائهم الغربيين، فتخلّوا عن أسس حضارتهم، إذ أن الغرب من جهته يعاني من ترفّع العلوم على الآخر. بينما رفض آخرون علوم الغرب وثقافته، واعتبروها علوماً شيطانية، فأخذوا يحاولون أسلمة المعرفة. ويقول هوفمان إن هذا يذكّره بما فعله الألمان في ثلاثينات القرن الماضي حين حاولوا تنقية العلوم من الآثار اليهودية وتحرير الرياضيات والفيزياء وجعلهما علمين آريين.

يميّز هوفمان بين أصوليات عدة، وهو يرجع الأصولية الأولى إلى مصطلح ظهر في الولايات المتحدة الأميركية لوصف المسيحيين الإنجيليين الذين تمسكوا بحرفية الكتاب المقدس، ومثّلهم اليهود الحسيديون أمثال مناحيم شنيرسون في نيويورك وفي القدس. ويذكر كيف وصل هذا المصطلح إلى وزارة الخارجية الألمانية في مؤتمرها المنعقد في يناير 1987 والذي أقرت فيه معنى الأصولية على هذا الشكل “حركة تمتثل للقواعد القانونية والقيم وأساليب ممارسة الإسلام الأصلي عند ظهوره، كنموذج لتشكيل الحاضر، فهي أسلوب لرؤية العالم والتعامل معه”.

ولكن، وقبل هذا كله، كان المسلمون يطلقون هذا المصطلح على أناس آخرين، إنهم أولئك الذين التزموا بعلم الأصول وهو حقل في المعرفة يسمونه أعلى العلوم ويطلقون عليه اسم “علم القواعد”. ولهذا العلم شروط كبرى كانت تتمثل في معرفة وإتقان اللغة العربية والتفاسير والأحكام والحديث والسيرة وسواها.

هؤلاء الأصوليون القدامى كانت تقع على عاتقهم مسؤولية الإصلاح. وقد مروا بمراحل عديدة تغيرت فيها طبيعة تكوينهم، ولم تتغير مهامهم. لكن شروطهم بقيت ثابتة حتى جاء العصر الحديث. يحذر هوفمان من أن الأصوليين الملتزمين بالقواعد العلمية والذين يسميهم بـ”الأصوليين العقلانيين”، لا يشكلون خطراً حقيقياً على الحكومات والمجتمع، بقدر ما يشكله أولئك الذين تصدوا لمهام الإصلاح من دون أن يلبّوا كافة الشروط، ويضرب مثلاً بطلاب كليات الهندسة وغيرها، ممكن تلقوا العلوم الغربية في البلاد العربية والإسلامية. فهؤلاء يقرأ كل واحد منهم القرآن متحررا من القيود التقليدية اللازمة، تلك القيود التي تكبح عادة جماح الدارسين والعاملين في المجال الديني.

وهم مثل غيرهم من الشباب معرضون للتأثر بنزعة المناداة بالإصلاحات الجذرية وتغيير شكل الحكم والبحث في شرعية النظام الحاكم بناء على قراءتهم القاصرة للدين. ما يخلق عندهم نوعاً من التعصب أكثر حدة من ذاك الذي يمكن أن يوجد لدى التقليديين.

سؤال الدولة

هوفمان يحذّر من نوع من الأصوليين الذين تصدّوا لمهمات أن يلبوا الشروط كافة فهؤلاء يقرأ كل واحد منهم القرآن متحررا من القيود التقليدية اللازمة التي تكبح عادة جماح الدارسين والعاملين في المجال الديني
هوفمان يحذّر من نوع من الأصوليين الذين تصدّوا لمهمات أن يلبوا الشروط كافة فهؤلاء يقرأ كل واحد منهم القرآن متحررا من القيود التقليدية اللازمة التي تكبح عادة جماح الدارسين والعاملين في المجال الديني

لا يسمح هوفمان لأحد بالتشكيك بأن الإسلام لم يطلب إقامة دولة كهنوتية مثل تلك التي نشأت في أوروبا في القرون الوسطى، بحيث يقبض رجال الدين على عالم السياسة. وهو يقول إن هذا كله لم يرد ولا حتى مرة واحدة في القرآن.

ويقول بالحرف الواحد “أما إذا نسي المسلمون أن عالم السياسة هو مجال النشاط البشري الفاني وغير المعصوم، وأن الله يغفر للحكومات ولا يقيمها، وأنه ليس في الإسلام بناء هرمي للعبادة مثل ذاك الذي في المسيحية، إذا نسي المسلمون ذلك كله فقد تكون النتيجة نظاماً أحاديا استبدادياً شمولياً تتربع على قمته سلطة دينية جاهلة، فالدولة الدينية بمعناها الضيق المتعارف عليه، دولة غير إسلامية”.

ولد هوفمان مطلع ثلاثينات القرن العشرين في بافاريا، وفي بداية حياته كان عضواً في منظمة شبيبة هتلر النازية، درس في ميونيخ، وفيها تعلق بالموسيقى والرقص وأسس نادياً لراقصي الباليه. وعمل محامياً قبل أن يلتحق بالعمل الدبلوماسي في خمسينات القرن الماضي. وعمل كخبير في الدفاع النووي في وزارة الخارجية الألمانية. وبعد إعلانه إسلامه وضع العديد من المؤلفات مثل “رحلة إلى مكة” و”الإسلام البديل” والعديد من المحاضرات والأبحاث الهامة التي لم تتردد في مناقشة القضايا الإشكالية في الإسلام مثل الحجاب وحقوق المرأة وغيرها.

ظل العالم الإسلامي يعد هوفمان شخصية ذات بعد خاص. وقد حصد العديد من التكريمات والجوائز، من بينها جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في دورتها الثالثة عشرة التي صنفته “شخصية العام الإسلامية”. وتسلمها من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات. وكان قبلها قد وقع “رسالة مفتوحة إلى الزعماء الدينيين للمسيحية” مع 138 عالمًا إسلاميًا من جميع أنحاء العالم، بعنوان “بيننا وبينكم” ارسلت للبابا بنديكت السادس عشر.

أبحاث هوفمان مثيرة وقائمة على الجدل والتفكير وحرية التحليل، وقد يجد المرء غرابة في احتفاء الإسلاميين به على عجل دون أن يفتحوا أياً من كتبه، ودون أن ينظروا ملياً في أن فكره كله قائمٌ على آلية نقدية للعقل الإسلامي المعاصر، بقدر إقباله الكبير على الإسلام كفكر وفضاء.

12