مسيرة "حكيم طرابلس" عبدالمجيد الرافعي

"حكيم طرابلس" عبدالمجيد الرافعي قيادي عروبي لمع نجمه في طرابلس ثم في كل لبنان والعالم العربي، وقد شكلت حياته التي امتدّت تسعين عاما ملحمة مكتملة العناصر.
السبت 2019/09/21
قائد شعبي بارز

بيروت- يتابع اللبنانيون ما يجري في بلادهم، وفي عموم المنطقة، والفوضى التي تتسبب فيها إيران وحزب الله وبقية أذرعها، مستحضرين حديث “حكيم طرابلس” عبدالمجيد الرافعي عن ضرورة مقاومة الدور الإيراني الذي يريد النفاذ إلى عمق النسيج المجتمعي لتفتيت مكوّناته وتطييف حياته السياسية وتشويه هويته.

 يأتي صوت الرافعي (11 أبريل 1927 – 12 يوليو 2017) عاليا ليخترق ضجيج الفوضى التي تعيش على وقعها المنطقة، عبر إصدار جديد عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” في بيروت، يحمل عنوان “عبدالمجيد الطيّب الرافعي – قضيته الإنسان… رسالته العروبة… وجهته فلسطين”، من تأليف للدكتور مصطفى الحلوة.

يتحدث الكتاب عن سيرة “حكيم طرابلس” الطبيب الإنساني الوطني والقومي العربي عبدالمجيد الرافعي الذي أنتخب نائبا عن طرابلس العام 1972 واستمر في تمثيل مدينته حتى نهاية الحرب الأهلية في لبنان العام 1992. عبدالمجيد قيادي عروبي لمع نجمه في طرابلس ثم في كل لبنان والوطن العربي. بل إن حياته التي امتدّت تسعين عاما شكّلت ملحمة مكتملة العناصر، إذ حفلت بمحطات ومواقف وشهدت منعطفات على قدر كبير من الأهمية. ناهيك عن الجانب العقيدي الذي تمثّل لديه، بانتمائه إلى حزب عروبي، هو حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ما لبث بنضاله وأعماله الإنسانية والوطنية، أن أصبح عضوا بارزا في القيادة القومية للحزب وأمينا لسرّ الحزب في لبنان سنوات طويلة.

 حكيم طرابلس

عشق الرافعي مدينته طرابلس التي افتخر دائما بالانتماء إليها، وهي مدينة العروبة مثلما هي مدينة “العلم والعلماء” كما يسمونها عن حقّ. وقد تحوّل عبدالمجيد الرافعي، “حكيم طرابلس” و”حكيم الفقراء”، إلى قائد شعبي بارز، تصدّى للإقطاع السياسي منذ خمسينات القرن الماضي، وتحوّلت شعاراته “طرابلس ليست مزرعة” و”لن ننتخب خشبة” إلى “ثوابت” طرابلسية يردّدها الناس في أعمالهم ومنازلهم كما في الشارع الطرابلسي الذي نظر دوما إلى الرافعي بالكثير من الثقة والمحبة والاطمئنان إلى المصير.

في رأي الرافعي فإن أحداث لبنان التي بدأت في العام 1975 تختزل صراع الأمة العربية مع أعدائها

عُرف عن الرافعي أنه لم يتأخر يوما في زيارة مريض، خاصة في الأحياء الشعبية والفقيرة، فكان يعالج المرضى مجانا ويقدّم لهم الدواء في حال توفّره داخل حقيبته الطبّية. الأمر الذي أسّس لعلاقة متينة بينه وبين العائلات الشعبية في كل مناطق وأحياء المدينة، وبصورة خاصة داخل المدينة والأسواق القديمة، التي كان يتردّد إليها في الليل والنهار، يتفقد أهاليها ويطّلع على أحوال التجار والأهالي في قلب طرابلس الفيحاء.

حمل الرافعي “لبنان الحرّ، الموحد والسيّد”، أينما حلّ وارتحل. وفي بغداد حيث استقرّ خلال الحرب اللبنانية كان يعمل دوما من أجل لبنان. ويعمل خارج لبنان مع قيادات لبنانية مخلصة مثل الرئيسين صائب سلام وتقي الدين الصلح وعميد الكتلة الوطنية اللبنانية ريمون أده لإعادة الاستقرار إلى ربوعه.

كانت عقيلته ليلى الرافعي السيّدة المثقفة والمناضلة الحقيقية، تهتمّ بمدينتها طرابلس، رغم وجودها إلى جانب زوجها في بغداد، وتلمّ بكل شاردة وواردة تتعلّق بالوضعين اللبناني والإقليمي. وكان رأيها مسموعا لدى قيادة الحزب نظرا لما تمثّله من فكر ثاقب ورأي صائب.

إذ راحت المؤامرة الكبرى على لبنان والمقاومة الفلسطينية تتكشّف  بشكل جليّ، واتضحت من دون لُبِس أدوار مختلف الأطراف الضالعة فيها، فقد كان لعبدالمجيد الرافعي أن يرفع الصوت، حاملا القضية اللبنانية، جائلا بها بين العراق (جامعات بغداد والبصرة والموصل)، ومتنقلا من عاصمة أوروبية إلى أخرى (باريس، لندن، روما، أثينا وسواها) وصولا إلى العاصمة الأسترالية البعيدة كانبرا، وكبرى المدن الأسترالية سيدني.

سيرة "حكيم طرابلس" الطبيب الإنساني الوطني والقومي العربي
سيرة "حكيم طرابلس" الطبيب الإنساني الوطني والقومي العربي

جُمعت خطبه ومطالعاته في كتاب بعنوان “لبنان والمؤامرة”. ناهيك عن ندوات جماهيرية تعبوية في مدنيته طرابلس، وبقدر ما كان يتاح لـ”الحكيم” المجيء إلى لبنان، جرّاء المخاطر الأمنيّة التي كانت تتهدّده بعد دخول القوات السورية إلى لبنان العام 1976. واستمرّ الرافعي مناضلا لبنانيا وعربيا، وأحد أبرز قيادات “الحركة الوطنية اللبنانية” إلى جانب كمال جنبلاط وجورج حاوي وإنعام رعد ومحسن إبراهيم وسواهم من قيادات الصفّ الوطني الأول.

لكن القوات السورية التي سيطرت على لبنان استطاعت القضاء على رموز أساسية في “الحركة الوطنية” بالقتل والاغتيال والتهجير. وكان للرافعي نصيب من التهجير من وطنه بعدما تعرّض لمحاولات اغتيال عديدة، إضافة إلى قصف وتهديم منزله بالصواريخ.

وفي رأي الرافعي فإن أحداث لبنان التي بدأت في العام 1975 “تختزل صراع الأمة العربية مع أعدائها. ذلك أنه على أرض لبنان، تتواجد المقاومة الفلسطينية، بقياداتها وثقلها البشري والعسكري، وبتحركها السياسي والإعلامي، يتّسع مدّها الجماهيري ويتعاظم، مع الأيام، كما الالتفاف الشعبي حولها، بما يزيد من دورها المؤثر، داخليا وعربيا”.

الدور الإيراني

الدكتور عبدالمجيد الرافعي وخلال وجوده الطويل في بغداد بسبب ظروف لبنان الأمنية الصعبة خلال سنوات الحرب، يعرف أكثر من سواه دور إيران وتدخلاتها العسكرية في المنطقة وتحديدا في العراق، وذلك قبل الغزو الأميركي للعراق وبعده.

ويقول الرافعي “النظام الإيراني مارس سياسة التقيّة طيلة فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وأقام خلايا نائمة في العديد من مناطق العراق، ونفّذ جملة أهداف عبر أدوات مرتبطة به، ومُؤتمِرة بتوجيهاته، سارع فور الانسحاب الأميركي ليقبض على الوضع السياسي العراقي بكليته، عبر إدارة ما يُسمّى بالعملية السياسية. والشعب العراقي إذ ينتفض اليوم على مساحة الوطن فإنه لم يُضع البوصلة، بل أشّر إلى مصدر الخطر الجديد (أي الخطر الإيراني) الذي يهدّد وحدة العراق وعروبته”.

تصفية القضية الفلسطينية

يرى الرافعي أن “لبنان لم يكن المقصود وحده، بل أُريد منه أن يكون جسرا لتصفية القضية الفلسطينية… حيث جرى مخطط خطير لتقسيم لبنان”.

لذا كان يستهل محاضراته بسؤال إشكالي يستحق الطرح في كل مرحلة من مراحل الأزمة اللبنانية التي استمرت عشرين عاما، وهو السؤال الآتي: لماذا انفجرت الأحداث في لبنان، ولم تنفجر في أي ساحة عربية أخرى؟ هل حرب لبنان حرب أهلية لبنانية معزولة عن الصراع الإقليمي والدولي؟ وهل يمكن للحرب اللبنانية أن تنتهي قبل العثور على حل للصراع العربي – الإسرائيلي؟

ويؤكد الرافعي أن الحرب اللبنانية أدّت إلى تعميق الانقسام العربي، وخلق الظروف الآيلة إلى تشتيت الجهد العربي، ومنع قيام وحدة أو اتحاد في الجوار، يُغْني قدرات العرب السياسية والاقتصادية والفكرية.

وفي تقييمه لحراك الرافعي في مدينته طرابلس خلال الحرب اللبنانية، يرى مؤلف الكتاب الدكتور مصطفى الحلوة، أنه يمكن التعرّف إليه “من خلال مواقف، كان يسعى عبرها إلى صمود المدينة، على جميع الأصعدة، لكي تكون رقما وازنا في المعادلة الوطنية العامة، وفي مواجهة المؤامرة على لبنان وعلى القضية الفلسطينية، من منطلق أن طرابلس، في تاريخها، لم تكن إلاّ مدينة العروبة الأولى في لبنان”.

الدكتور عبدالمجيد الرافعي وخلال وجوده الطويل في بغداد بسبب ظروف لبنان الأمنية الصعبة خلال سنوات الحرب، يعرف أكثر من سواه دور إيران وتدخلاتها العسكرية في المنطقة وتحديدا في العراق

وكان حراك الرافعي في مدينته على مستويين، الشقّ الأمني الصرف، الذي يعني استقرارها، وبما يوفّر استمرار العيش الإسلامي – المسيحي، بل العيش الوطني الواحد، في حين أن المستوى الثاني يتعلق بتوفير “الأمن الاجتماعي”، بما يعني من متطلبات يومية لاحتياجات المواطنين المعيشية والتموينية وسواها.

لقد كان الرافعي حريصا، الحرص كلّه، على استقرار طرابلس ووحدة أبنائها، أيام السلم كما أيام الحرب، ولم يكن ليثنيه أي أمر أو عائق عن التعاون، مع مختلف الأطراف والجهات السياسية، لتحقيق هذا الصدق.

يروي كتاب الحلوة مسيرة الرافعي الطويلة والمليئة بالأحداث الكبيرة لبنانيا وعربيا. إنها “مسيرة” لا “سيرة”. وشتّان (كما يقول المؤلف) ما بين سيرة بل “جردة” فاقدة الروح، سكونية المنحى، وبين مسيرة لها من دينامية الحضور والامتداد ما لها!

لقد احتضنت طرابلس “حكيمها” عبدالمجيد الطيّب الرافعي طيلة حياته وحتى غيابه المؤلم، كما احتضنها الرافعي ودافع عن أهلها، وعن قضاياها ودورها. وقد أحبّها مثلما أحبته وأكثر. لقد حمل الرافعي فكرا سياسيا وبقي مدافعا عنه بصلابة وإيمان وشجاعة حتى اللحظة الأخيرة. فكر العروبة الخلاّقة، عروبة الوحدة والحرية والاشتراكية، عروبة السلام والانفتاح والتعاون والتقدم دائما نحو الأفضل.

6