مشاركة الرجل في تنظيم الأسرة تضبط توازن الإنجاب

التوعية بتحديد النسل تكسر احتكار الذكور لقرار عدد الأبناء المنجبين.
السبت 2020/08/29
عدد أفراد الأسرة يتحكم في وضعها المادي

لا تزال العديد من الدول العربية تعاني مشكلات عدم وعي أفراد المجتمع بأهمية تحديد النسل ما أوصل هذه البلدان إلى مشكلات أشمل ترتبط بالتفجر الديموغرافي وما يتبعه من مشكلات الفقر والبطالة. وتبدأ أول حلول تحقيق توازن الإنجاب داخل العائلة العربية من خلال توعية الرجال بشكل خاص بأهمية مشاركتهم في تنظيم أسرهم على أساس أنّ حملات تحديد النسل الحالية تشمل النساء وتهمل توعية الرجال.

القاهرة - منذ أن أنجبت المصرية نهى فاروق طفلتها الرابعة قررت المشاركة في الندوات التي تنظمها جهات حكومية ومنظمات نسائية حول تنظيم الأسرة، للتعرف على مزايا الصحة الإنجابية والوسائل المعاصرة لمنع الحمل، وعقدت العزم على الاكتفاء بفتياتها لقناعتها بحتمية تحديد النسل.

واصطدمت نهى بإصرار زوجها الأربعيني على إنجاب المزيد من الأطفال مهما بلغ عددهم، لحين وصول الذكر الذي يحمل اسمه ويرث ممتلكاته ويحمي أخواته البنات مستقبلا من غدر الزمان والأقارب. وأمام محاولات نهى لإقناع زوجها بالاكتفاء بأربع بنات هددها بالطلاق، حتى أنجبت ثلاث أخريات لتصبح أما لسبع فتيات.

ويعكس وضع عائلة نهى واقعة بعض الدول العربية التي تسعى إلى نشر ثقافة تنظيم الأسرة وتحديد النسل لظروف اجتماعية واقتصادية فيما يصعب أن تحقق نتائج إيجابية طالما أصرت على تركيز جهودها على توعية النساء دون توجيه خطاب مماثل للرجال لضبط توازن الإنجاب داخل العائلات بناء على توافق الزوجين.

ومهما اقتنعت الأم بحتمية التوقف عن الإنجاب عند عدد معين من الأبناء أو تطبيق التباعد بين فترات الحمل حفاظا على صحتها، فأغلب الرجال في المجتمعات الشرقية اعتادوا فرض قراراتهم على المرأة وتحديد الإنجاب وفق رؤيتهم وطموحاتهم الخاصة بغض النظر عما يمكن أن تتحمله الأم كتبعات لذلك.

وتتمثل أزمة بعض الحكومات في أنها تتعامل مع السيدات باعتبارهن سبب الأزمة السكانية لذلك تقتصر التوعية عليهن دون إدراك بأن أغلبهن يتم إجبارهن سواء من الزوج أو من الأقارب، ما دفع الأصوات المهتمة بتنظيم الأسرة للمطالبة بضرورة أن يتم التركيز على تثقيف الرجال أولا، حول خطورة كثرة المواليد على استقرار العائلة وتماسكها.

وتكفي مطالعة نسب الاستجابة لحملات التوعية الخاصة بتنظيم الأسرة في بعض البلدان للوقوف على ضعف الاستجابة، واستمرار التمادي في كثرة الإنجاب تحت مبررات واهية، على غرار العزوة والسند والبحث عن المزيد من الذكور والحاجة إلى الأبناء لمساعدة العائلة اقتصاديا.

وقالت نهى، لـ”العرب”، إن المرأة في المجتمعات الشرقية مغلوبة على أمرها في الكثير من الأحيان لأنها تختار بين الاستجابة لتحديد النسل والالتزام بالعادات والتقاليد في إرضاء الزوج، والمشكلة أن هناك عائلات تعتبر الإنجاب دليلا على فحولة الرجال وهي ثقافة تحتاج إلى تغيير إذا كانت هناك إرادة حقيقية لوقف الانفجار السكاني.

واضطرت بلدان عربية، مثل الأردن ومصر والسعودية، إلى إشراك الرجال في تنظيم الأسرة بعدما أثبتت نتائج الاعتماد على النساء ضعف المردود الإيجابي. وأيقنت الجهات المعنية بالملف في هذه الدول أن الكثير من السيدات يلجأن إلى كثرة الإنجاب تنفيذا لرغبات الأزواج، ولو عن غير قناعة شخصية منهن.

ونجحت الأردن من خلال اللجنة الوطنية للسكان في تغيير ثقافة الكثير من الرجال حول ترشيد النسل، وبعد أن كان أغلبهم يحتكر قرار الإنجاب اقتنع هؤلاء بمفهوم الشراكة بين الزوجين وارتفع منسوب الوعي الخاص بالصحة الإنجابية ما انعكس بشكل إيجابي على العائلة نفسيا واجتماعيا.

وما ساعد على تحقيق نتائج ملموسة أن الحملة شاركت فيها المؤسسة الدينية، لتغيير الموروث الفكري الخاطئ عن الرجال حول ترشيد النسل والتركيز على توافقه مع الشريعة الإسلامية، وبالتالي تم ضرب المعتقد الديني الخاطئ الذي كان يعتبر تحديد المواليد من المحرمات بذريعة التدخل في إرادة الله.

وزرعت التيارات الدينية المتشددة في عقول البعض من أرباب الأسر أن أي تدخل لتحديد عدد الأبناء يقابل بعقاب إلهي، دون الاعتراف بأن كثرة الإنجاب سوف يترتب عليه تبعات غير إنسانية لا تتفق مع الأديان السماوية، مثل زيادة معدلات الفقر وعدم القدرة على توفير الغذاء والملبس والتعليم والصحة ما يعني الحرمان من هذه الحاجيات.

تغيير قناعات الرجال حول كثرة الأبناء يتطلب إدخالهم طرفا أصيلا في التربية ورعاية الصغار ليشاركوا المرأة معاناتها

ولأن الرجل أكثر اختلاطا بالشيوخ وتقديسا لآرائهم يتأثر أحيانا بخطابهم التحريمي حول تنظيم الأسرة، فيما تقف أغلب المؤسسات الرسمية متفرجة دون حسم القضية بشكل صريح يبيح ترشيد النسل لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية لتجاوز صعوبات الحياة المعاصرة.

وأرجع تقرير سابق لمنظمة الصحة العالمية عزوف شريحة كبيرة من المواطنين في بلدان عربية عن استخدام وسائل تحد من معدلات الإنجاب لأسباب ثقافية ودينية، ما يتطلب خطابا توعويا يتناسب مع هذه التحديات.

وقالت أسماء عبدالعظيم، وهي استشارية أسرية ومحاضرة في الشؤون العائلية بالقاهرة، إن إقناع الرجال بالمشاركة في تنظيم الأسرة يحتاج إلى تغيير العرف السائد لدى أغلبهم بأن الإنجاب قرار يحتكره الزوج، لأن النتائج سوف تنعكس سلبا أو إيجابا على العائلة بأكملها وليس عليه وحده.

وأضافت عبدالعظيم، أن الوصول إلى مستوى معقول من تغيير قناعات الرجال حول كثرة الأبناء يتطلب إدخالهم طرفا أصيلا في التربية ورعاية الصغار ليشاركوا الأم معاناتها وآلامها النفسية والجسدية، بحيث يعيدون النظر في حساباتهم حول مفهوم “العزوة” ويتوقفون عن استسهال الإنجاب والتهرب من المسؤولية.

كما يجب أن تتشارك كل الجهات، من مجتمع مدني ومنظمات حقوقية ومؤسسات دينية وإعلامية، في حملات التوعية الموجهة للرجال والنزول لأرض الواقع للاستماع إلى وجهات نظر الفئة التي تقدس كثرة الإنجاب وتعرف مبرراتها وعلى أساسها يكون الخطاب الموجه لباقي الشرائح.

ولفتت عبدالعظيم إلى أن تقبل الرجل العربي لتنظيم الأسرة يعتمد أولا على أسلوب التوعية، بحيث يلمس واقعه وأزماته وتحدياته، ويتسلل إلى عقله وفكره وقناعاته بأشياء حقيقية كي تلين مواقفه، فإن كان لديه تقديسا دينيا يتحلل منه تدريجيا، وإن كان شغوفا بالتعددية يتراجع أمام الاقتناع بالترشيد.

ويرى متخصصون في علم النفس والاجتماع أنه يصعب إقناع الرجل العربي بنمط توعية حول قضية بعينها إذا كانت الحملة تستهدف النساء، فمثلا لن يستجيب بسهولة لنداءات تنظيم الأسرة بذريعة أن المرأة تصاب بضغوط نفسية وجسدية، لأنه دائما ينظر إليها باعتبارها خُلقت لتتحمل المسؤولية ولا يجب أن تشتكي من الصعاب والآلام.

ويقترح هؤلاء أن تكون حملات التوعية الموجهة للرجال قائمة على وقائع حقيقية لأسر استسهلت الإنجاب ورفضت ترشيد النسل، حتى أصبح الزوج عاجزا عن الوفاء باحتياجات أبنائه ومحاصرا بالأزمات اليومية، في حين أن الاكتفاء بعدد معين من الأبناء يجلب له الرفاهية وراحة البال وزيادة فرص استقرار العائلة.

وما يؤخذ على تنظيم الأسرة في بعض البلدان أنها تكتفي بمخاطبة الآباء الحاليين دون اكتراث بالأجيال الصاعدة التي تمثل الأعمدة الأساسية للبنيان الأسري مستقبلا، في حين أن أغلب هؤلاء نشأوا على أفكار ومعتقدات آبائهم الدينية والثقافية، ما يؤسس لعائلات لديها نفس القناعات الذكورية.

ويفترض تغيير نظرة الرجال لمفهوم الأسرة والإنجاب أن يبدأ من مرحلتي المراهقة والشباب وليس بعد فوات الأوان، على أن يكون ذلك من خلال مناهج تعليمية يتم تضمينها بمفاهيم علمية حول قضايا الحياة الجنسية والصحة الإنجابية لتثقيف الأجيال الجديدة أن مسؤولية الزوج تجاه تنظيم الأسرة أكبر وأهم من التي تتحملها المرأة وأن تأمين الحياة ضد الفقر يكون بخفض معدلات الإنجاب وليس بالعزوة.

21