مشاركة النساء في مواقع صنع القرار محدودة مقارنة بالرجال

رغم التزام العديد من الدول بتعزيز نفاذ النساء إلى مواقع صنع القرار فإن المرأة العربية تجد صعوبات لخوض غمار العمل العام والوصول إلى المناصب القيادية السياسية.
الاثنين 2021/03/08
اهتمام المرأة بالشأن العام يبقى ضعيفا

رغم التغيرات التي عرفتها المنطقة العربية ورغم ما حصلت عليه النساء فيها من حقوق وحريات إلا أن ما تم إحرازه على أرض الواقع في ما يتعلق بمشاركتهن في مواقع صنع القرار مقارنة بالرجال يعدّ محدودا للغاية. ولذلك دعا المختصون إلى ضرورة اهتمام المرأة بالشأن العام بالقدر نفسه الذي تُعنى فيه بقضايا المرأة حتى تكون ممثلة في دوائر صنع القرار.

يحصل تمثيل المرأة في المجالس النيابية بالدول العربية على أدنى النسب على مستوى العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت في ما بين الدول العربية في هذا الصدد، ذلك أن بعضها لا يسمح بتولي النساء مناصب قضائية، وأن دولا أخرى لم تصل المرأة فيها إلى منصب القضاء إلا منذ فترة قريبة. كذلك أن عدد النساء اللواتي يشغلن مناصب وزارية محدود للغاية، إضافة إلى شبه انعدام وجودها على رأس المحافظات وبرتب العسكرية والأمنية عليا.

وقد أقر المؤتمر العالمي الرابع للمرأة منذ 14سنة (بكين 1995) بضرورة مشاركة المرأة في عملية صنع القرار وتولي المناصب السياسية. والتزمت بذلك العديد من الدول. لكن ما زال وضع المرأة في المنطقة العربية مقارنة بباقي دول العالم أقل بكثير من إمكانية الوصول إلى المناصب القيادية السياسية والمشاركة في عملية صنع القرار، سواء من زاوية تمثيل المرأة في السلطات الرئيسية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.

صلاح الدين الجورشي: مشاركة النساء في الشأن العام تتقدم ببطء

ورغم التشريعات الرائدة في تونس وحضور المرأة في مختلف المجالات، إلا أنها لم تتمكن من تقلد أحد أهمّ منصبين في هرم السلطة، رئاستي الجمهورية والحكومة.

ولفتت وزيرة المرأة السابقة نزيهة العبيدي إلى أن نسبة حضور المرأة لا تتجاوز 26 في المئة بمجلس نواب الشعب مقابل 33.2 في المئة سنة 2014، و18.75 في المئة صلب الحكومة بـ6 أعضاء فقط من النساء (4 وزيرات وكاتبتا دولة) من مجموع 32.

وأكد صلاح الدين الجورشي المفكر والأكاديمي التونسي، أنه رغم توفر الفضاءات، يوجد تعثر يجعل النساء يتقدمن في مشاركتهن بشكل بطيء، وذلك ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب العميقة لعدم بلوغهن مراتب متقدمة في الدولة.

وقال الجورشي، إن تواصل تنازل النساء عن حقوقهن، خاصة في الأوساط الريفية، من أبرز الأسباب التي أبقت المرأة في وضع الضحية، فهي لا تتجرأ على المطالبة حتى بأبسط حقوقها، مثل حقها في الميراث الذي غالبا ما تتنازل عنه لرجال العائلة.

كما تتعرض النساء للتهميش الاجتماعي والاقتصادي، ذلك أن وضع القوانين ورفع شعارات المساواة بين المرأة والرجل لا يكفيان لضمان المشاركة الفعالة للمرأة، لأن تغيير العقليات وتفعيل الشعارات في الواقع أهمّ بكثير.

وأضاف الجورشي أن هذا الوضع تتحمل مسؤوليته النساء أنفسهن، داعيا المرأة التونسية إلى تحمّل المسؤولية كاملة وإجراء نقد ذاتي.

ورغم الحضور العددي للمرأة التونسية في كل من البرلمان والحكومة، ترى القيادية السابقة في حزب الاتحاد الوطني الحر أحلام كمرجي أن الأهمية لا تكمن في العدد، وإنما في التموقع والمناصب التي تتقلدها المرأة في الحياة السياسية.

وتعتبر كمرجي، أن حضور المرأة في الأحزاب وفي البرلمان والحكومة منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إلى الآن، شكلي ومجرد ديكور.

أحلام كمرجي: ليس للمرأة حضور فعلي وإنما هي مجرد ديكور يزين المشهد السياسي

وتقول القيادية الحزبية في هذا السياق: ليس للمرأة حضور فعلي وإنما هي مجرد ديكور يزين المشهد السياسي، ويتضح ذلك من خلال عدم تمكينها من أن تكون صانعة للقرار أو شريكة فيه، وبقيت دائما في تبعية للرجل، الرئيس والقائد.

وقال المؤرخ التونسي الصحبي بن منصور "لا شك في أن المرأة العربية التي تعد اليوم رئيسة في أسرتها قد دخلت معترك النضال أيام الاستعمار ثم في بناء دولة الاستقلال، لكن تم تهميشها ليس لأنها امرأة ولكن لأن التنافس غير شريف بين الرجال من أجل بلوغ المقاعد البرلمانية والوزارية والمناصب العليا. . . ولولا اعتبار رؤية الدول الأوروبية لمدى حضور المرأة العربية في المسؤوليات ببلدانها ربما لسجلنا غيابها التام عن مواقع القرار".

وأضاف أنه بصرف النظر عن الإجراءات السياسية التي لا يملك المتابع إلا أن يثمنها فإن الواقع التونسي يؤكد مثلا أن المرأة هي الأكثر عددا وحضورا ونجاحا في التعليم والشغل وفي الإدارة بل وفي المسؤوليات العليا للدولة. . . ولكن على رأس رئاسات السلطات لا تزال نائبة للرجل. . . فهي نائبة لرئيس البرلمان ورئيسة ديوان رئيس الجمهورية وفي رئاسة الحكومة ليست إلا مستشارة أو وزيرة.

وتابع "ما نريد التنصيص عليه هو ألّا يتم التجمل بالمرأة وكأنها ديكور فوق ركح الأحداث السياسية وإنما ينبغي ألّا يُمنّ عليها وأن تقف حيث يرفعها مصعد كفاءتها في قيادة الجماهير وإدارة الشأن العام.

كما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة تومسون رويترز وشمل اثنتين وعشرين دولة عربية، أن ثلاثا من بين الدول الخمس التي طالتها انتفاضات الربيع العربي منذ عام 2011 وهي تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، احتلت المراتب الأخيرة ضمن قائمة الدول العربية التي تراجعت فيها حقوق المرأة.

فقد احتلت مصر – طبقا للاستطلاع – المرتبة الأخيرة على القائمة. وجاءت دولتا اليمن وسوريا في المرتبتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة على التوالي.

الصحبي بن منصور: الواقع التونسي يؤكد أن المرأة هي الأكثر عددا وحضورا ونجاحا في التعليم والشغل وفي الإدارة

ووفق ما خلصت إليه دراسة بعنوان “المشاركة السياسية للمرأة”، تبقى قضية المشاركة السياسية للمرأة في مصر وتقييم الفرص المتاحة لها للنفاذ إلى كافة مواقع صنع القرار سواء على مستوى مؤسسات الدولة أو منظمات المجتمع المدني من القضايا التي تحتاج إلى مقاربة مختلفة وغير تقليدية في التعامل معها، حتى تتحرك بقضية التمكين السياسي للنساء من مجرد النضال في سبيل تخصيص بعض المقاعد للنساء هنا وهناك إلى تحقيق مشاركة سياسية ذات نوعية متميزة، تؤثر بشكل واضح في مؤسسات صنع السياسة بمصر.

وأكدت الدراسة أن الحديث عن تعزيز نفاذ النساء إلى مواقع صنع القرار، ليس هدفه فقط مجرد ضمان تمثيل كمي، ولكن أيضا تحقيق نقلة نوعية واضحة في دمج قضايا المرأة في كافة الجهود التنموية والسياسات العامة.

وقالت هويدا عدلي أستاذة العلوم السياسية، بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر إن المشاركة المتزايدة للنساء في العمل السياسي تمثل عاملا محوريا للارتقاء بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وأضافت أنه على الرغم من اتخاذ الكثير من التدابير وعلى رأسها كوتا النساء لتسهيل النفاذ إلى البرلمانات الوطنية والمحلية في الغالبية العظمى من الدول، إلا أن هذا ما زال غير كاف للتصدي للتفاوت القائم على أساس النوع، مشيرة إلى أن هناك فجوة نوعية واضحة وكبيرة لغير صالح النساء في كافة مؤسسات الدولة المصرية باستثناءات
قليلة.

وتجد النساء العربيات صعوبات وعقبات عليها أن تتخطاها إذا ما أرادت خوض غمار العمل العام. ومن بين هذه العقبات عوامل متصلة بالمرأة نفسها وبوضعها الاقتصادي، وعوامل متصلة بالمؤسسة السياسية، وعوامل متصلة بالمجتمع والثقافة السائدة فيه.

ويرى علماء الاجتماع أنه على المرأة إدراك هويتها النسوية والمواطنية السياسية في الوقت ذاته، وهو الأمر الذي يعني انخراطها في عمل مدني أو اجتماعي أو في عمل سياسي عام، وهذا يعني لا بدّ من تواجد تنظيمات ومؤسسات وكيانات تعمل بمثابة قنوات على دعم مشاركة النساء في الحياة العامة، وأن تنضمّ النساء في هذا الإطار إلى جانب الرجال من أجل تغيير رؤية الرجل.

تتعرض النساء للتهميش الاجتماعي والاقتصادي، ذلك أن وضع القوانين ورفع شعارات المساواة بين المرأة والرجل لا يكفيان لضمان المشاركة الفعالة للمرأة

فتكاتف النساء بأعداد كبيرة، وفق علماء الاجتماع، يعني التحول إلى قاعدة عريضة ومؤثرة، وهو الأمر الذي يمكّن من التغيير على مستوى التفكير وعلى مستوى الأداء في القاعدة، وعلى مستوى الأداء العام.

ولتعزيز الدور القيادي للمرأة لا بد من دعم عملية التحول الديمقراطي ومفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة والاهتمام بنشر ثقافة الديمقراطية وعدم التمييز والحق في الاختلاف والتعددية.

ولا بدّ كذلك من تغيير الإطار القانوني الذي يحكم المشاركة السياسية على وجه العموم ومشاركة المرأة على وجه الخصوص، وأيضا ضرورة اهتمامها بالشأن العام بالقدر نفسه الذي تُعنى فيه بقضايا المرأة، إضافة إلى أهمية تدريب النساء حتى لا يصلن غير مؤهلات إلى المناصب القيادية.

21