مصري ينشئ "مملكة العقرب" لأغراض البحوث الصيدلانية

سم العقارب في صحراء مصر الكبرى مصدر رزق للأهالي.
الجمعة 2021/03/05
العقرب حيوان نافع أيضا

حوّل مهندس مصري الخوف من لدغات العقارب في محافظة الوادي الجديد إلى مصدر رزق له ولأهالي المنطقة، حيث أنشأ مملكة لاستخلاص سمّ العقارب وبيعه لأغراض البحوث الصيدلانية، وفي الآن نفسه تخليص المناطق السكنية والحيوية من مخاطر هذه الحيوانات السامة.

الوادي الجديد (مصر) - ارتدى المهندس المصري أحمد أبوالسعود ثوب الأطباء الأبيض، وعلى طاولة معدنية أمسك بذيل أحد العقارب بملقط معدني، مسلطا موجة كهربائية عليه، ليفرز قطرة من السم داخل أنبوب صغير.. إنها “مملكة العقرب” المصرية.

ويتعامل أبوالسعود وهو مهندس ميكانيكي عمل في قطاع النفط لما يقرب من عقدين من الزمن، في مختبر في عمق الصحراء الغربية لمصر، بعناية مع الآلاف من العقارب الحية، فقد قرر منذ ثلاث سنوات أن يسلك مسارا مختلفا يتمثل في إنتاج سم العقارب لأغراض البحوث الصيدلانية.

وتقود إلى المشروع، لافتة معدنية زرقاء على بعد حوالي 800 كيلومتر جنوب غرب القاهرة وعلى طريق أسفلتية تَسَع سيارتين، تنتشر على جانبيها مزارع النخيل وترتفع من ورائها على بعد الكثبان الرملية والجبال في صحراء محافظة الوادي الجديد.

ويظهر بناء أبيض مكون من طابقين، محاط برقعة زراعية خضراء تلطّف من حر الظهيرة في صحراء الواحات الداخلة، حيث يجمع أبوالسعود العقارب التي تعتبر رأسمال مشروعه ومصدر ثروته.

وداخل المبنى يوجد المعمل المكون من غرفتين، تضم إحداهما العشرات من الرفوف التي تحمل علبا وصناديق ملونة تمكث داخلها العقارب بعد وضع الرمال فيها، والأخرى يُجري فيها فريق “مملكة العقرب” عمليات استخلاص السموم.

المشروع لا يقتصر على استخلاص سم العقرب فقط، بل يشمل إنتاج سم النحل، إلى جانب الاستثمار الزراعي في الخضر والقمح

وقال أبوالسعود (44 عاما) “أنا من أهالي الوادي وهنا كل بيت لديه قصة مع لدغات العقارب، سواء العامل في الحقل أو الأطفال الصغار في البيوت.. إنها مشكلة كبيرة جدا”.

وتابع “كنت أتصفح الإنترنت مصادفة، ووجدت أن سم العقرب من أغلى أنواع السموم، وقلت لِمَ لا نستغل هذه البيئة الصحراوية فيكون العقرب شيئا نافعا لا آفة ضارة”، وخصوصا أن الوادي الجديد يمثل نحو 44 في المئة من مساحة البلاد.

وأوضح أن العقرب الواحد ينتج نصف مليغرام من السم، والغرام الكامل يحتاج بين 3000 و3500 عقرب تقريبا “والأهم هو درجة النقاء والجودة”.

ولجعل العقارب تفرز السم في ظروف المختبر الخاضعة للرقابة، يتم إعطاؤها صدمة كهربائية طفيفة.

وينتظر القائمون على مملكة العقرب ما بين 20 إلى 30 يوما بين كل عمليات الاستخراج، للحصول على السم بأعلى جودة.

ويُنقل السم السائل المستخلص في حافظات باردة إلى العاصمة، لإجراء عمليتي التجفيف والتعبئة.

ويدرس باحثو الطب الحيوي الخصائص الصيدلانية لسم العقرب، مما يجعل السم العصبي النادر والقوي سلعة مرغوبة للغاية، يُنتج الآن في العديد من دول الشرق الأوسط.

وتعمل إلى جانب أبوالسعود في معمل استخلاص سم العقرب، صيدلانية وطبيبة بيطرية من أبناء الوادي الجديد.

وأشارت الصيدلانية نهلة عبدالحميد التي تعمل أيضا في وزارة الصحة المصرية “كصيادلة.. درسنا فوائد سم العقرب وإمكان استخدامه في تركيب بعض الأدوية”.

وتابعت “هذا ما شجعني للعمل في مملكة العقرب.. أولا حمايتنا، وثانيا العمل بمركز معتمد بشهادة رسمية يقوم باستخلاص سم العقرب وإمكان تصديره إلى الخارج”.

أما عضو غرفة صناعة الدواء في مصر محي حافظ فيقول إن “سم العقارب والثعابين يدخل في استخراج الأمصال المضادة”.

سم العقارب لأغراض البحوث الصيدلانية
سم العقارب لأغراض البحوث الصيدلانية

ولفت حافظ إلى أنه لا يوجد دواء حتى الآن يعتمد بشكل مباشر على سم العقرب أو الثعبان، “ولكن ثمة محاولات بحثية في هذا الصدد”.

وأفاد تقرير نشرته مجلة “بيوميديسينز” العلمية في مايو الماضي بأنه “ثبت أن العشرات من الجزيئات النشطة بيولوجيا والمشتقة من العقرب، تمتلك خصائص دوائية واعدة”.

وأضاف التقرير أن “المعامل تدرس الآن آثارها المحتملة المضادة للميكروبات والسرطان (..)، آملة في استخدامها في تصنيع الأدوية”.

وتنتشر في الوادي الجديد 4 أو 5 فصائل من العقارب، حسب ما يقول أبوالسعود، مشيرا إلى أن أكثر الأنواع إتاحة هو “لورياس”.

ويحتوي سم هذا النوع من العقارب على أكثر من 45 عنصرا، ويتراوح سعر الغرام منه بين 6500 دولار إلى 7500 دولار.

وأكدت عبدالحميد (25 عاما) أنهم يحاولون “قدر الإمكان عدم الإخلال بالتوازن البيئي، وخصوصا أن اصطياد العقارب يتم من مناطق سكنية وحيوية وليس من بيئات بعيدة”.

ويعتمد المشروع على أهالي القرى القريبة لعملية الصيد، وفقا لأبوالسعود قائلا “نختار من كل قرية عاملا أو اثنين، ثم ندرّب الجميع ونزوّدهم بالأدوات الواقية لإتمام هذه العملية”.

ويُعطى المزارعون قفازات وملاقط معدنية وأحذية طويلة وسترات فسفورية وأمصالا لتنفيذ عملية الصيد، وفي المساء تُستَخدَم نظارات الرؤية الليلية.

ويتقاضى صائدو العقارب ما بين جنيه إلى 1.5 جنيه مصري (حوالي ستة إلى 10 سنتات) عن كل حيوان.

وضع أبوالسعود قفازاته الواقية وأمسك بملقط معدني، وراح يبحث بجوار المبنى عن عقرب إلى أن وجد واحدا تحت حجر، فالتقطه وأدخله إلى المعمل.

وأوضحت عبدالحميد التي تلقت مع زميلتها البيطرية تدريبا على أيدي أساتذة في هذا المجال، أن دورها يبدأ عندما يُحضر إليها الصيادون العقارب، وتشرح “أقوم بتصنيفها بحسب المنطقة التي تم اصطيادها منها والفصيلة ثم الحجم”.

ويتم استخلاص سم العقرب بحسب عبدالحميد، على الأقل كل 20 إلى 30 يوما للحصول على أعلى جودة.

مملكة العقرب مورد رزق
مملكة العقرب مورد رزق للأهالي

وتقول الطبيبة البيطرية العشرينية إيمان عبدالمالك إن العقرب يستطيع البقاء فترة طويلة من دون طعام “لكننا نحاول توفير بيئة ملائمة للعقارب وتزويدها بالغذاء والبروتين لزيادة إفراز السم”.

وأشارت عبدالمالك إلى أن العقرب يتم إطعامه كل 15 يوما في الصيف، على أن يقل المعدل في فصل الشتاء بسبب دخول العقارب في البيات الشتوي.

وداخل صناديق العقارب بالمعمل تضع عبدالمالك الصراصير والديدان، وبعض قطرات الماء في إناء صغير للغاية، كطعام للعقارب. ولفتت إلى أنهم يخططون “لاستكثار العقارب في المستقبل، بدلا من الاعتماد على الصيد”.

ودرس أبوالسعود هندسة السيارات، وعمل في مجال البترول لمدة 18 عاما إلى أن قرر في 2018 أن يترك مجاله، وأن ينفذ مشروعه الخاص باستخلاص سم العقارب وبيعه إلى شركات الأدوية.

وفي مطلع 2018 قدّم أبوالسعود وشريك له طلبا إلى المحافظة لتخصيص قطعة أرض بعيدة من التجمعات السكانية، لبناء مزرعة ومعمل من أجل إنتاج سم العقارب، فقوبل طلبهما بالترحيب، وحصلا على 200 فدان لإقامة المشروع.

سم العقارب يحتوي على أكثر من 45 عنصرا، ويتراوح سعر الغرام منه بين 6500 دولار إلى 7500 دولار

ويهدف أبوالسعود إلى أن تكون مملكة العقرب “أكبر مركز على مستوى مصر والشرق الأوسط، وأن يصل إلى دول مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة”.

ويقول علاء سبع الشريك الثاني في مملكة العقرب “إن ما جُمع حتى الآن هو نحو عشرين ألف عقرب، البعض في المعمل والبعض الآخر في المزرعة”، مشيرا إلى أن طاقة المشروع تستوعب حتى ثمانين ألفا. وأضاف أن “أولى عمليات استخراج سم العقرب تمت في ديسمبر ويناير بعد عامين من الاستعدادات، وأسفرت عن إنتاج 3 غرامات من السم”.

وأشار إلى أن المشروع الذي كان تمويله ذاتيا “بلغت كلفته حتى الآن نحو خمسة ملايين جنيه (حوالي 320 ألف دولار)”، وقد دعمت الحكومة المشروع عبر موافقة المحافظة على تخصيص أرض المشروع بإيجار سنوي محدد.

ولا يقتصر المشروع، بحسب سبع، على استخلاص سم العقرب فقط، بل يشمل إنتاج سم النحل، إلى جانب الاستثمار الزراعي في الخضر والقمح والنباتات العطرية.

وأفاد أبوسعود بأن مجال السموم في مصر ليس وليد اللحظة وإنما له تاريخ كبير، لافتا إلى أن “الأزمة تكمن في تشويه البعض صورة مصر في هذا الشأن، نظرا لعملهم بطريقة غير رسمية أو بسبب خلط السموم أحيانا لزيادة الكمية”.

وأكد “نحن نحاول أن نظهر بصورة لائقة من خلال منتج عالي الجودة تحت رعاية علمية وفي إطار قانوني، ولنا الحق في التصدير”.

20