مصر تعيد تنظيم أدواتها في مواجهة عواصف حقوق الإنسان

ملف حقوق الإنسان يشكل أولوية سياسية للحكومة المصرية وكلما تزايدت الضغوط عليها سعت نحو تسريع وتيرة حركتها باتجاه تنظيم أدوات عملها الحقوقي.
الجمعة 2020/12/25
إضفاء طابع الجدية على كل الملفات الحساسة

لا تنفصل التحركات الرسمية المصرية عن حالة النشاط التي انتابت منظمات حقوقية محلية، حاولت التوصل لرؤية واضحة بشأن التعامل مع أوضاع جديدة متعلقة بملف الحريات الشخصية وحقوق الإنسان لمواجهة الضغوط الغربية والأميركية تحديدا على القاهرة قبل بدء ولاية الرئيس جو بايدن.

القاهرة - أعادت الحكومة المصرية تنظيم أدواتها في مواجهة العواصف التي قد تتعرّض لها بشأن حالة حقوق الإنسان، وبدت أكثر جدية في البحث عن آليات فاعلة، في ظل توقع تصاعد الانتقادات في هذا الملف مع تولي الرئيس الأميركي جو بايدن مهام منصبه الشهر المقبل، وتعمل على إنهاء حالة الخمول التي أصابت مؤسسات معنية بالتعامل مع أوضاع الحريات العامة.

ووافق مجلس الوزراء المصري، الأربعاء الماضي، على مشروع قرار بشأن العفو عن باقي مدة العقوبة بالنسبة إلى بعض المحكوم عليهم، وسط توقعات قوية بأن تشمل القوائم هذه المرة عددا من السياسيين والصحافيين والرموز في المعارضة، يشكل الإفراج عنهم عاملا مهمّا في إعادة ترتيب أولويات القاهرة في التعامل مع اتهامات تجابهها بحكمة وهدوء حتى الآن.

وتستهدف قرارات العفو المنتظرة إحداث انفراجة في ملف المعتقلين وتقديم حسن نواياها تجاه التعامل مع ملف حقوق الإنسان بأبعاده المختلفة، ومحاولة تلافي رغبة قوى مناوئة حصر الأمر في ملف المحبوسين على ذمة قضايا متعلقة بالانضمام إلى جماعة محظورة مثل الإخوان المسلمين وبث الشائعات، والتأكيد على أنها تسعى إلى توفيق أوضاعها وفقا للاتفاقيات والمواثيق الدولية، ما انعكس على فتح المناقشة حول إدخال تعديلات تشريعية على الحالات التي تستوجب عقوبة الإعدام لتخفيفها.

وعقد وزير الخارجية سامح شكري، الذي يرأس اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، اجتماعا مع ممثلين عن وزارات وأجهزة أمنية ورقابية واستخباراتية، في خطوة استهدفت تفعيل أدوارها استعدادا للتعامل مع المتغيرات الأميركية الجديدة في هذا الملف. 

عصام شيحة: سد الثغرات الحقوقية يبدأ بإعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان

وشدد شكري على أهمية العمل الاستباقي والمتواصل للجنة، إلى جانب تطوير مهام عملها نحو التواصل بين الجهات المختلفة، وتحقيق تواصل إعلامي أكبر وبأكثر من لغة أجنبية وبالوسائط الإلكترونية الحديثة، لعرض الجهود المبذولة أولا بأول، مع الرد المهني والموضوعي المبني على الحقائق على ما يثار من أخبار مغلوطة.

ويرى مراقبون أن الفلسفة المصرية الحالية تركز على إتاحة أكبر قدر من المعلومات أمام الهيئات والمنظمات الدولية، وتقديم ما يثبت افتراء وتسييس التقارير الصادرة عن منظمات ممولة من قوى معادية، ويجري الاعتداد بتقاريرها في دوائر غربية، والانغماس بشكل أكبر نحو فتح قنوات اتصال بين جهات محلية، حقوقية أو حكومية، وبين الجماعات المؤثرة في إعداد التقارير الدورية بشأن حقوق الإنسان في مصر.

وتتطلب تلك الفلسفة المزيد من الانفتاح على المنظمات الحقوقية وفتح المجال العام بما يسمح للمجتمع المدني بتأدية دوره، وسط رقابة تنظيمية وليست إقصائية من قبل الحكومة، يوفرها قانون الجمعيات الأهلية الذي من المتوقع خروج لائحته التنفيذية إلى النور في غضون أيام قليلة، ما يؤدي إلى أن يكون تحسين السجل الحقوقي مرتبطا بكيفية إقناع المجتمع الدولي بأن هناك تغييرا ملموسا على أرض الواقع.

ولا تنفصل التحركات الرسمية عن حالة النشاط التي انتابت منظمات حقوقية مصرية، حاولت التوصل لرؤية واضحة بشأن التعامل مع الأوضاع الجديدة، ونظمت أخيرا فعاليات شهدت عصفا ذهنيا نحو كيفية صدّ حملات الهجوم بما لا يجعلها هي ذاتها متّهمة بالدفاع عن رؤية الحكومة، لدعم قدرتها على إتاحة معلومات موثقة يجري الاعتداد بها لدى الهيئات الدولية.

وتراهن منظمات المجتمع المدني على أهمية إعادة تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي انتهت مدته القانونية منذ عامين تقريبا دون إعادة تشكيله مجددا، بما قيّد قدرته في التواصل مع الجهات الخارجية، وبات ثغرة وسط جملة من الملاحظات التي قدمتها آلية المراجعة الدورية لملف حقوق الإنسان بمصر مؤخرا.

وقال رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، عصام شيحة، إن أول مهام السلطة التشريعية الجديدة في مصر بغرفتيها النواب والشيوخ، إعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان، وهناك قناعة بأن التشكيل تأخّر ولا بد من إنجازه في أقرب فرصة، ضمن جملة من التحولات ظاهرة على طبيعة أداء الحكومة في ملف الحريات العامة.

وأضاف شيحة لـ”العرب”، أن الإرادة السياسية تجاه سد الثغرات الحقوقية أضحت موجودة في الوقت الحالي، وبدا ذلك من خلال الاقتراب من غلق ملف المحبوسين احتياطيا، ورفع التحفظ عن عدد من النشطاء والمنظمات الحقوقية، وإحالة عدد من الضباط المتورطين في حوادث تعذيب إلى محكمة الجنايات وإصدار أحكام ضدهم، فضلا عن الحالة العامة لدى الرأي العام الذي أصبح مهتما بقضية انزوت على مدار سنوات.

وتأكيدا للجدية أو المخاوف، استعانت الحكومة المصرية بعدد من المتخصصين في القضايا الحقوقية وأصحاب الخبرات الدولية، عبر الأمانة العامة التي شكلها وزير الخارجية ضمن آليات عمل اللجنة الدائمة، وهو ما يبرهن على أن هناك رغبة في إيجاد نقطة ارتكاز كمخزون وفير للمعلومات بشأن القضايا المرتبطة بالحريات وتسهيل مهمة الراغبين في الوصول إليها والرد على أي استفسارات خارجية.

وتتوقف قدرة الحكومة على استخدام تلك الأدوات على مدى اقتناع الإدارة الأميركية الجديدة والبرلمان الأوروبي بأن لدى القاهرة توجهات مختلفة نحو المعارضين، ما يدعم تصورات الخروج من الإطار الضيق لتوسيع مفهوم حقوق الإنسان بشكل يتجاوز الحريات والديمقراطية والتعددية، إلى ضمان حياة معيشية جيدة للمواطنين، وهو هدف أساسي ضمن خططها المستقبلية للتعامل مع الضغوط الخارجية.

تحركات من شأنها تحقيق التوازن
تحركات من شأنها تحقيق التوازن

وتعبّر دوائر سياسية عديدة في مصر عن رغبتها في تحرك الحريات في المجال العام وتنفتح أمام المعارضة، وأخرى تطالب بتوظيف استخدام الغرب معايير مزدوجة في التعامل مع الملف الحقوقي في بلدان مختلفة، كهجوم مضاد ضد الهجمات المتصاعدة على مصر.

وذهب الفريق الثاني إلى التأكيد على أن خروج الانتقادات الموجهة لمصر عن إطار المجلس الدولي لحقوق الإنسان، والذي يعدّ من أهم مبادئه عدم التدخل في شؤون السيادة الوطنية، يجعل القاهرة غير مضطرة إلى تقديم المزيد من التنازلات.

وتعبر الرؤية الرسمية عن أنه لا يوجد مجتمع خالٍ من مشكلات قضايا حقوق الإنسان ولا توجد دولة خالية من الممارسات الخاطئة التي قد تشكل انتهاكا لمبادئها الرئيسية، لكن المهم أن هناك تحركات من شأنها تحقيق التوازن بين الإجراءات الأمنية الضرورية من ناحية، وبين حماية الحقوق والحريات السياسية من ناحية ثانية، ولا مجال لأحد أن ينصّب نفسه في موضع يحاسب الآخرين أو يعطيهم دروسا.

وأوضح نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، عبدالغفار شكر، أن الحكومة تدرك بأنها في مواجهة حملات منظمة تشنها قوى متعددة مناوئة للنظام المصري، ما يتطلب التراخي في فترات والحسم في مواقف أخرى، بما أدى إلى أن تظهر الدولة بموقف ضعيف أمام تنظيمات معارضة تجد الفرصة سانحة لتوظيف الملف الحقوقي للمزيد من الابتزاز السياسي.

وأكد شكر في تصريح لـ”العرب”، أن ملف حقوق الإنسان يشكل أولوية سياسية للحكومة المصرية، وكلما تزايدت الضغوط عليها سعت نحو تسريع وتيرة حركتها باتجاه تنظيم أدوات عملها الحقوقي وإثبات قدرتها على التأقلم مع المتغيرات الدولية في هذا المجال.

7