مصر تنتقم لأجساد القاصرات بحبس المشاركين في جريمة تزويجهن

الحكومة تسرّع وتيرة إقرار تجريم الأمومة المبكرة وسجن من دعموا انتهاك البراءة.
الثلاثاء 2020/12/29
الزواج في سن مبكرة يهدد حقوق الفتيات

لجأت الحكومة المصرية إلى استخدام سلاح التجريم لوقف ظاهرة الأمومة المبكرة، وقررت تحريك قانون مجمّد داخل مجلس النواب منذ عامين يقضي بمعاقبة كل من ساعد وساهم وسهّل ودعم زواج الفتاة القاصر، بالحبس المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، سواء كان الأب أو المأذون أو ولي أمر الشاب، والزوج نفسه إذا كان تجاوز سن الثامنة عشرة ويدرك ماذا يفعل.

القاهرة - كشفت استراتيجية الحكومة المصرية لمواجهة النموّ السكاني التي جرى إعلانها رسميا قبل أيام، أنه تم تكليف وزارة العدل بمتابعة وتنفيذ قانون تجريم زواج القاصرات، لتتحول العقوبة من جنحة إلى جناية لا تسقط التهمة فيها بالتقادم، على أن تشمل العناصر المتهمة بارتكاب الجُرم، كلّ من لهم علاقة بإتمام الزيجة، وتساهلوا في تمريرها دون سند قانوني.

وظلت المواجهة الرسمية مع الأمومة المبكرة في مصر، مقتصرة على تحديد سن لزواج الشاب والفتاة ببلوغهما 18 سنة، دون أن تكون هناك أداة عقابية صارمة للأسرتين، أو خضوع المأذون الذي أبرم العقد للمساءلة، حتى وصلت نسبة زواج القاصرات إلى أكثر من 15 في المئة سنويا، حسب إحصائيات صادرة عن مؤسسات رسمية معنية بشؤون الإحصاء في البلاد.

ويُعاقب القانون المطبق حاليا، والد الطفلة بالحبس لعام واحد، وغالبا لا يتم تنفيذ العقوبة لأن الزيجة تكون سرية أو يتم التصالح فيها، كما أن الأحكام الصادرة في قضايا الجنح يندر تفعيلها على أرض الواقع لتشعب الثغرات القانونية التي يستثمرها المحامون لإفلات الآباء من السجن، ما ساعد على تنامي الظاهرة أمام استخفاف الأسر بالعقوبة.

والميزة المهمة في قانون تجريم زواج القاصرات، أن المأذون الشرعي نفسه أصبح مهددا بالسجن وخسارة الوظيفة إذا شارك في الفعل، بحكم أنه الأساس الذي تقوم عليه الزيجة ومن دونه لا يتكمل العقد، حيث يحصل على مبالغ مالية نظير تزوير الأوراق الرسمية والتساهل مع صغر سن الفتاة وتسجيل العقد في مؤسسات رسمية بعد بلوغ الطفلة عمر 18 سنة.

ويرى داعمون لتجريم الظاهرة، أن إدراج المأذونين ضمن الفئات المهددة بالسجن رسالة ترهيب قد تصل بمعدلات زواج الأطفال إلى الهاوية، فهم الحلقة الأهم، إذ يقومون باستخراج ثلاث نسخ من العقد، واحدة لأسرة الفتاة، والثانية لعائلة الشاب، والثالثة يتم إخفاؤها وتوثيقها بعد بلوغ البنت رسميا كأنها حديثة الزواج.

وتزوجت أميمة محمود، ابنة الرابعة عشر عاما، بذات الطريقة وأنجبت ثلاثة أطفال، لكنها فارقت الحياة في أثناء ولادة ابنها الأخير، وأصبح أولادها دون أوراق رسمية، لأن تسجيلهم قبل وفاتها كان يتطلب وثيقة زواج معتمدة من مصلحة الأحوال المدنية، في حين أن المأذون لم يستطع ذلك لعدم وصولها السن القانونية، وهنا تدخلت الشهادات المزورة من مسؤولي مكتب الصحة.

واعترف محمود زوج الراحلة أميمة، الذي يقيم بإحدى قرى محافظة البحيرة شمال القاهرة، بأنه دفع أموالا لموظفين سهلوا له مهمة تسنين أولاده (تسجيلهم بأكبر من أعمارهم الحقيقية)، حتى يتمكن من إلحاقهم بالمدارس، لافتا إلى أن هذا المسار معروف ومتبع في أغلب المناطق الريفية والشعبية، بأن يكون المال وسيلة لضبط الأوراق الرسمية للزواج المبكر.

اقتصار العقوبة على الأطراف المشاركة في زواج القاصرات لن يحل الأزمة، ويجب تعميمها لتشمل الفئات الداعمة لها، سواء كانوا رجال دين أو موظفين

وقال لـ”العرب”، إنه أُرغم من جانب أسرته على الزواج بابنة عمه الصغيرة حتى لا تذهب إلى شاب آخر، ومع أنه كان يرفض ذلك إلاّ أنّه وافق إرضاء لرغبات والديه، وما زال نادما على هذا الفعل، لأن الأطباء أبلغوه أن سبب وفاة زوجته عدم قدرتها جسديا على تحمل الإنجاب في سن صغيرة لثلاثة أعوام متتالية دون راحة، حيث كان يحلم بأن يكون أبا لولد وليس بنتين.

ولم ينكر الشاب، أنه سأل أحد الشيوخ قبل زواجه عن رأي الدين في الزواج من طفلة، وجاءت الإجابة بأن ذلك من صحيح الإسلام الذي دعا إلى سترة الفتاة وتزويجها في سن مبكرة، خوفا عليها من الفتنة، رغم أن المؤسسات الدينية في مصر، الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، لها موقف واضح بتحريم زواج القاصرات.

ويمكن البناء على ذلك، أنه مهما كانت هناك قوانين صارمة تجرّم الأمومة المبكرة، وتعاقب أرباب الأسر، وكل الأطراف المشاركة في الجريمة، دون إدراج رجال الدين المحرضين على ارتكاب الجريمة ضمن الفئات المتهمة، فإن المواجهة ستكون منقوصة، لأن الفئات البسيطة لا تتأثر بالقانون ونصوصه بقدر تقديسها لرأي رجال الدين الذين يشرعون العادات والتقاليد البالية.

ورأى عادل السيد الباحث والمحاضر في الشؤون الأسرية، أن اقتصار العقوبة على الأطراف المشاركة في جريمة زواج القاصرات لن يحل الأزمة، ويجب تعميمها لتشمل الفئات الداعمة لها، سواء كانوا رجال دين أو موظفين سهلوا المهمة بأي صورة، بحيث تكون المواجهة شاملة، ورسائل الترهيب موجهة لكل الفئات المنخرطة في الجريمة.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن الحكومة مطالبة بعدم التعامل مع ظاهرة زواج القاصرات من زاوية الأمن القومي ومحاربة الانفجار السكاني، بل مواجهتها لغرض إنساني عنوانه محاربة انتهاك البراءة ووقف اغتصاب فتيات لا يدركن ماذا يفعلن وأي مصير ينتظرهن، ويتحملن مسؤوليات جسام ويتم حرمانهن من الحق في التعليم والاستمتاع بالحياة.

ويتوازى مع هذا الخطاب الإنساني آخر توعوي وتثقيفي يتناسب مع مستوى تعليم وعقليات الأسر التي تؤمن بالأمومة المبكرة كحل وحيد لسُترة الفتاة والتخلص من أعبائها، لأن القانون وحده لا يمكن أن يغير عادات راسخة، بل يحتاج إلى ظهير إعلامي وديني وثقافي يخاطب هذه الشريحة بطريقة سهلة وبسيطة تجعلها تؤمن بالقضية ولا تنفر منها.

وقد يكون السجن لسبع سنوات عقوبة كفيلا نسبيا لعزوف الغالبية عن السير في طريقة تزويج القاصرات، لكن هناك ترهيبا من نوع آخر، يمكن أن يكون أشد تأثيرا في تغيير قناعات الناس، بأن يتم تعريفهم بضياع حقوق كل فتاة تتزوج في سن صغيرة وإمكانية تنصل زوجها منها في أي لحظة، طالما أن عقد الزواج غير موثق.

فالزوجة القاصر ليست لها حقوق مادية عند زوجها إذا جرى تطليقها قبل بلوغها السن القانونية، حتى المحاكم نفسها ترفض قبول دعواها لأي سبب، ولا تحصل على قيمة المتعة ولا يكون لها نصيب في مسكن الزوجية، وإذا فكرت في المطالبة بالنفقة لا يتم الحكم لصالحها باعتبار أن أوراق الحكومة لا تعترف بأنها متزوجة من الأساس.

ويظل الخطاب الترهيبي حلا سحريا لإرغام الأسر المؤمنة بزواج القاصرات على التراجع، لكن المعضلة في كيفية الوصول إليها، ما يتطلب قاعدة بيانات بالمناطق التي تنتشر فيها الظاهرة للنزول إليها ومحاورتها بشكل مباشر، عن العقوبات المنتظرة والحقوق الضائعة للفتاة وأولادها ومخاطر حصولها على لقب مطلقة في سن صغيرة.

وقد يصطدم الأب الذي يزوج ابنته في سن صغيرة للتخلص من أعبائها أمام ضيق الحال، بأنها انفصلت وانضمت إلى شريحة المطلقات وعادت إلى منزل أسرتها بأبنائها الذين تخلى عنهم زوجها، ليتحمل وحده مسؤولية الإنفاق والرعاية وتبعات قراره.

21