معارضة زواج الليبية من أجنبي حماية لها أم تقييد لحقهـا في الاختيار

القانون الليبي يغذي نظـرة المجتمع للمرأة التـي تتزوج من أجنبي ويحرمها من حقوقها وحقوق زوجها وأبناءها.
السبت 2019/11/09
عادات مكبلة للحريات الفردية

يغذي القانون الليبي نظرة المجتمع للمرأة التـي تتـزوج مـن أجنبي، حيـث أنه يعتبـر إقدامها على هذه الخطوة مسيئا للمجتمع وللقبيلة التي تعيش فيها، وتوصف المرأة الليبية التي تتزوج بأجنبي بأوصاف بشــعة، كما يتم الطعـن فــي شرفها وشرف أسـرتها في بعض الأحيان، وقـد يصـل الأمر إلى حد الاعتداء عليها أو إجبار أسـرتها على ضـرورة مغـادرة المـكان الـذي تقيـم فيـه، هذا بالإضافة إلى حرمان أبنائها من الجنسية، وفق ما أكده تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.

طرابلس - تواجه الليبيات المتزوجات مــن أجانب صعوبة بالغة في الحصول على الأوراق والمستندات الثبوتية لهن ولأبنائهن، لأن السلطات الليبية الرسمية ترفــض التعامـل مــع أي ليبية تتزوج من أجنبي سواء في ما يخصها هي وزوجهـا أو حتى أبناءهـا، وذلـك إذا تم الـزواج دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية التي عـادة مـا تعقد هذا الأمر، استنادا إلى تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان تحت عنوان “المرأة الليبية المتزوجة من أجنبي زواج مضطهد، وأطفال بلا جنسية”.

وقال عياد الشويهدي، مدير فرع وزارة الشـؤون الاجتماعية بمصراتـة، تعليقا على نص المادة التي تطلب إذنا مسـبقا للـزواج مـن أجنبي أو أجنبية ”إن الـوزارة تواجه عـدة إشـكالات مــع المواطنين والمواطنات الليبيات الراغبين والراغبات بالزواج مــن أجانب، كــون هــذه الشــروط تتعارض مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتبر أساسا لمعظـم التشريعات في ليبيـا، والتي تقتضي فـي أي زوج يتقـدم لخطبـة امـرأة ضـرورة توفر عاملين رئيسيين همـا: الخلـق والديـن دون أي اعتبــار للجنســية”.

وعلل الشـويهدي تقييد حرية المرأة في الزواج بحماية المرأة الليبية وصـون النسـيج الاجتماعـي الليبي، حيـث قـال إن بعـض مـن تقدمـوا للـزواج مـن ليبيـات كانوا لا يملكون أوراقا ثبوتيـة ودخلـوا ليبيـا بطريقـة غير شرعية، وبعضهـم الآخـر مطالوبون للعدالـة فـي بلدانهـم، ولفـت إلى أن القيود الواردة فــي القانون رقم 15 لسنة 1984، هدفها التثبت والتيقن من الشخص الراغـب فـي الـزواج، نظـرا لوجـود حالات تم فيها التقدم للـزواج مـن ليبية في غضون أسبوع فقط مـن دخول الشخص إلى ليبيا.

ويرى وسـام سـليمان الصغيـر، وهـو محـام ليبـي يعمل في مسائل الزواج والطلاق، أن الإجراءات المنصوص عليها في القانون غير مقبولة، حيث لا يوجد أسـاس قانوني واضح لتقييد حرية المرأة في الزواج من أجانب، خاصة وأن الكثير من الليبيات تزوجـن مـن أجانـب حتى دون موافقة وزارة الشـؤون الاجتماعية، وكان زواجهن ناجحا.

الليبيات المتزوجات من أجانب يواجهن صعوبة بالغة في الحصول على الأوراق والمسـتندات الثبوتية لهن ولأبنائهن

وأضاف “فكرة حماية المرأة الليبية ووضع قيود على الزواج مــن أجنبي غير دقيقة. هناك العديد من الليبيات تزوجن من ليبيين ويتعرضن للاعتداء والضرب، أو تخلى عنهن أزواجهن بالهروب خارج البلاد، ولــم تفعل الدولـة لهن شيئا”.

وأشار تقرير المرصد إلى أن الوضع القانوني الذي تعيشه المرأة فـي ليبيا، وحرمان أولادها من اكتساب الجنسـية إلا فـي أضيـق نطاق وبعد أن يبلغوا سن الرشــد، فضــلا عــن حرمــان زوجهــا مــن الجنسية، واشـتراط إذن وزارة الشؤون الاجتماعية لإتمام هذا الزواج من الأساس، أورث زيادة في ميل المجتمع الليبي نحو رفض زواج المرأة الليبية من أجنبي، وعزز النزعة القبلية التي تميل إلى محاربة من تفعـل ذلك، بل وغلفت هذا الرفض المجتمعي بإطار قانوني ما عـززه في الواقـع.

وتضمن التقرير بعض التجارب لليبيات تزوجن من أجانب والصعوبات التي اعترضتهن، حيث قالت ”أ. س“ (29 عاما)، وهي من مدينة ”الزاوية“ غرب العاصمة الليبية طرابلس، إنها تزوجت من باسـم (27 عاما)، وهـو سوري الجنسية مقيم في ليبيا منذ ما يزيد عــن 11 عاما حيث يعمل مهندسا بإحدى الشركات الخاصة. وأضافت “تزوجنـا مطلع العام 2014، بعد أن تقدم لخطبتي، ولكني جوبهت برفض أهلي دون سبب مقنع، سوى أنه أجنبي وليس مــن ديارنا، وبعد محاولات عديدة لإقناع أهلي بالزواج منه لم يتغير شيء، فقررنا الزواج دون موافقتهــم”.

وأوضحـت أنهـا انتقلت وزوجهـا للعيـش بمنطقـة ”جنـزور“ الواقعة غرب العاصمة الليبية طرابلس، ورزقا بعد ذلــك بطفلين، مبينــة أن حياتهما في البداية كانـت مسـتقرة بالرغـم مـن صعوبة العيش بمفردهـا بمعـزل عـن الأهـل والأقارب. إلا أن مطلـع العـام 2017 خبأ لها ما لم يكن بالحسبان، حيث تقول “فــي مطلع ذلك العام، تهجم علي اثنان من أشقائي في منزلي، بعدما عرفا موقع المنزل، وطعناني بآلة حادة في بطني، وضربا زوجي ضربا مبرحا، ثم قاما بإطلاق الرصاص علـى كلتا قدميـه، وهدداه بالقتل إذا لم يطلقني”.

وأفادت بأنها وزوجهــا لم يستطيعا تقديم شكوى لمركز الشرطة بسبب خوفهما على حياتهما، والأهم من ذلك أن عقـد زواجهما غير موثق بالسجل المدني لعدم حصولهما علـى الموافقة من وزارة الشـؤون الاجتماعية، بما يعني أن كافة الدوائر لا تعترف بهما كزوجين.

بداية رحلة المعاناة تحت ستار القانون
بداية رحلة المعاناة تحت ستار القانون

أمـا ”ع.ت“ (35 عامـا)، وهـي ليبية تقطن بمدينة ”مصراتة“، فتزوجت في عام 2014 من خالد (32 عاما)، وهو مصري الجنسية، وذلك بعد أن التقت به بالقرب من مكان عملهــا، حيــث تعمل مدرسة، فيما كان زوجها يعمل فـي الحدادة.

وبالرغـم من أن زواجهما تم بموافقة أسرتها، إلا أنها فقدت عملها في المدرسة التي كانـت تعمل بها، بعد أن قام مدير المدرسة بفصلها بحجة عدم التزامها بالعودة إلى العمل بعد الزواج مباشرة، فيما تبين أن فصلهـا تـم بضغـط مـن أعضـاء هيئـة التدريس الذين اعتبروا أن الزواج من أجنبي عار على القبيلة والمنطقة، بحسب ما أخبرها بعـض المدرسين. وأضافـت أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه بترك زوجها لمحل الحدادة الذي كان يعمل فيه، حيث أعلمه مالك المحل بتعرضه للتهديد بالقتل وبضرب المحل بالقذائف إذا لم ينه عقد الإيجار معه.

ولفت التقرير إلى أنه لا يمكن إنكار تأثير القبيلة على مسألة منح الجنسية لأبناء الليبية المتزوجة مـن أجنبي حيث تعتبر المرأة التي تتزوج من خارج القبيلة وكأنها انسلخت عنها لتنتمي إلى القبيلة التي تزوجت منها، وبالتالي يتم إنكار حقها في الميراث، خشية تملك زوجها ”الغريب“ لأراضي ومزارع العائلة أو القبيلة.

وأشار إلى أن الأمر مـن أساسـه ثقافي واجتماعي، أكثـر مـن كونه سياسيا أو قانونيا، حيث أن أغلبية الليبيين يثقون في المعارف الشخصية في ما يخص الـزواج، وهم بالمقابل لا يثقون غالبا في من يعتنق دينا آخرا أو يتحدث لغة أخرى أو في من يقابلونه لأول مرة أو من ينتمون إلى جنسيات أخرى.

ودعا المرصد السـلطات الليبية إلى ضرورة تعديل قانون الزواج من غير الليبيين والليبيات رقم 15 لسنة 1984، بما يكفل حق المرأة الليبية وحريتها في اختيار شريك حياتها وبما يتماشى مع المواثيق والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل ليبيا، ويمكن أخذ الاعتبارات التي تتحدث عنها الجهات الليبية الرسمية بعين الاعتبار عبر وضع شـروط للأجنني الراغب في الزواج من ليبية، كالإقامة مدة معينة في ليبيا دون انقطاع، وذلك لتبديد مخاوف داعمي منع الليبيات من الزواج من غير الليبي، أو إحالة الأمر إلى جهة رقابية في ما يخص تزوير أي مستندات والتدقيق في الوثائق والأشخاص تحسبا لوجود مطلوبين للعدالة، دون أن يكون إذن أو رفض وزارة الشؤون الاجتماعية مفتوحا وغير مقيد بشروط محددة وغير تعسفية.

كما دعا إلى العمل على تعديل قانون الجنسية رقــم 24 لسنة 2010، بما يمكن أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي من حقهم في الجنسية، ورورة تسوية الأوضاع القانونية لأي ليبية متزوجة من أجنبي والعمل على حصول أبنائها على حقوقهم كاملة.

كما اعتبر المرصد أن مسودة الدستور التوافقية الصادرة عن الهيئة الليبية المنتخبة 2017 غير كافية، حيث لم تشر نهائيا إلى مسألة تنظيم الجنسية باستثناء ما ورد في المادة الـ10 التي أشارت إلى “تنظم أحكام الجنسية الليبية وكيفية اكتسابها وسحبها بقانون، تراعى فيه اعتبارات المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. ولا يجوز إسقاط الجنسية الليبية لأي سبب”.

وفرضت الحكومة المؤقتة في ليبيا في شهر مارس الماضي رسوما على عقود زواج الليبيين من أجانب مما أثار جدلا واسعا، مبررة إقدامها على هذه الخطوة بدعم صندوق الزواج لمساعدة الليبيين من ضعاف الحال على الزواج وتكوين أسرة، وحماية النسيج الاجتماعي والهوية الليبية بعد ارتفاع نسبة زواج الأجانب من الليبيات خاصة الأفارقة.

21