معاقات مصريات متزوجات ينتفضن ضد قانون يحرمهن من معاش آبائهن

قانون ذوي الإعاقة الخاص بالمعاشات في مصر يدفع الكثير من السيدات إلى الزواج العرفي كي يحتفظن بمعاش آبائهن.
الأحد 2020/10/04
ظروف معيشية قاسية

بعثت سيدات متزوجات من ذوي الإعاقة رسالة استغاثة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي طالبن من خلالها بتعديل قانون ذوي الإعاقة بما يسمح للزوجة المعاقة بالجمع بين الراتب والمعاش على غرار الزوج. وتم تدشين حملة إلكترونية واسعة لإنصافهن ضد ما وصف بأنه “تعنت الحكومة معهن”، وإجبارهن على اختيار العنوسة أو حمل لقب مطلقات، نظير احتفاظهن بالراتب والمعاش معا، في حين أن الأزواج الرجال من المعاقين يحق لهم ذلك، حتى لو تزوجوا أكثر من مرة، في تمييز قانوني صارخ بين الرجال والنساء.

اضطرت شادية (ع)، وهي معلمة مصرية من ذوي الإعاقة الحركية، إلى الزواج العرفي كي تجمع بين راتبها الشهري ومعاش والدها ووالدتها، أمام إصرار الحكومة على رفض تعديل قانون التأمينات والمعاشات الخاص بالمعاقين، ليُسمح لهن بتقاضي الراتب والاحتفاظ بالمعاش دون أن يتم حرمانهن من الأخير بسبب الزواج.

لا يعلم بزواج شادية سوى مجموعة صغيرة من صديقاتها في المدرسة التي تعمل بها في القاهرة، وبعض أقاربها المؤتمنين على السر، حتى لا يتم إبلاغ وزارة التضامن الاجتماعي وتُحرم من معاش والديها، في ظل ظروف معيشية صعبة تعاني منها، بحكم أن لديها أربعة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة.

وقالت الزوجة إنها وآلاف الزوجات من ذوي الإعاقة لم يعد أمامهن سوى تدخل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتعديل قانون المعاشات الخاص بهن، ليُسمح لهن بالزواج مع الاحتفاظ بالراتب والمعاش، ولا تتم معاقبتهن بالحرمان من أموال الأب والأم لمجرد أنهن أصبحن متزوجات، وتركن حياة العزوبية والطلاق.

وأكدت شادية لـ”العرب” أن قانون ذوي الإعاقة الخاص بالمعاشات يدفع الكثير من السيدات إلى الزواج العرفي كي يحتفظن بالمعاش. وليست هناك مراعاة للأسباب التي دفعتهن إلى هذا الخيار، فالغلاء وصل إلى مستويات قياسية، وظروف الحياة صارت قاسية، وبدائل جني المال شبه منعدمة، لذلك يتم التحايل على القانون، والحكومة تعلم ذلك، لكنها لا تستطيع الإثبات.

وتتحجج الحكومة بأن المعاقة بعد زواجها أصبحت تحت ولاية رجل غير الأب، وهو الزوج، ولا يحق لها الحصول على المعاش، لأن الرجل الذي تعيش معه يُفترض أن ينفق عليها ويوفر لها كامل احتياجاتها، وليس دور الدولة أن توفر لهذه السيدة دخلا شهريا طالما أنها صارت في عصمة زوج مُلزم بذلك تحت أي ظرف.

آلاف الزوجات من ذوي الإعاقة لم يعد أمامهن سوى تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي لتعديل قانون المعاشات الخاص بهن

وحسب القانون، فإن المرأة المندرجة تحت الإعاقة، أيّا كان نوعها كبيرة أم صغيرة، لا تحصل على معاش الأب أو الأم، أو الاثنين معا، إلا إذا كانت غير متزوجة أو مطلقة، أما إذا تزوجت فمن حق وزارة التضامن الاجتماعي وقف الأموال الشهرية التي كانت تتقاضاها، ما يدفع بعض السيدات إلى المخاطرة إما بقبول الزواج العرفي أو بالطلاق الصوري.

ويتأسس الطلاق الصوري على اتفاق مسبق بين الزوج والزوجة والمأذون الشرعي، ويحصل منه الأخير على مقابل مادي كبير، ويتم منح وثيقة تفيد بأن الزوجين انفصلا رسميا، دون أن يقول الرجل لزوجته شفهيا “أنت طالق”، ثم يتم تقديم المستند إلى وزارة التضامن الاجتماعي لتحصل المرأة على المعاش بحكم أنها مطلقة، في حين أنها تعيش مع زوجها عرفيا، ولأن الأزهر يتمسك بوقوع الطلاق الشفهي فقط دون اعتراف بالوثيقة الرس

وأكدت شادية “أعرف سيدات معاقات لجأن إلى الطلاق الصوري للحصول على المعاش، والأسر البسيطة لا تعارض هذا التصرف أمام ندرة المال لتجاوز الظروف القاسية”.

وأباح بعض علماء الدين، مثل علي جمعي مفتي مصر السابق وآمنة نصير أستاذة العقيدة بالأزهر، قيام المرأة المعاقة أو غيرها بالزواج عرفيا من أجل الاحتفاظ بالمعاش، لأنه لا يتعارض مع الشريعة، في حين حرم الأزهر ودار الإفتاء التصرف ذاته، باعتبار أنه “تحايل على القانون، والأموال التي يتم الحصول عليها ترقى إلى مرتبة السرقة من المال العام، وعلى السيدة الرضاء بالنصيب”.

ويرى المطالبون بتعديل قانون ذوي الإعاقة أنه من غير المنطقي عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الجمع بين الراتب والمعاش في حين أن الإصابة تبدو واحدة والزواج حق للجميع، وليس معقولا في ذروة اهتمام رئيس الدولة بأصحاب الاحتياجات الخاصة أن يتم تخيير الفتاة بين الزواج أو العنوسة للاحتفاظ بالمعاش، في حين تمنح كل الحقوق للأزواج المعاقين لمجرد أنهم ذكور.

وقالت هبة هجرس، عضو مجلس النواب والمجلس القومي للمرأة عن ذوي الإعاقة، إن أزمة المرأة المعاقة في كثرة احتياجاتها ومصروفاتها، مثل شراء أجهزة تعويضية وكرَاسٍ متحركة، وبعض الرجال لا يفضلون الارتباط بهذه الفئة من السيدات فدائما هن بحاجة إلى أموال تلبي هذه المطالب، بحيث يتحركن ويتصرفن بشكل شبه طبيعي.

وأضافت هجرس لـ”العرب”، وهي من قادت المطالبة بتعديل قانون المعاقين ليحتفظوا بالراتب مع المعاش، أن الحكومة بررت رفض جمع الزوجة المعاقة بين راتبها ومعاش والديها، بأن ولاية الأب سقطت منذ انتقالها إلى عصمة رجل آخر، وهو الزوج، وأسست كلامها (الحكومة) على قاعدة شرعية بأن المرأة لها ولي واحد، إما الأب أو الزوج.

المرأة المندرجة تحت الإعاقة، أيّا كان نوعها كبيرة أم صغيرة، لا تحصل على معاش الأب أو الأم
المرأة المندرجة تحت الإعاقة، أيّا كان نوعها كبيرة أم صغيرة، لا تحصل على معاش الأب أو الأم

وتكمن مشكلة الحكومة المصرية في أنها تمنح المؤسسة الدينية الحق المطلق في رفض نصوص قانونية تتعارض مع الشرع، ولو كانت تهدف إلى ترسيخ قيم إنسانية.

ماذا يضير الدين لو حصلت المرأة على معاش والدها وهي في ولاية زوجها؟ وهل الدين يقبل بأن تظل الفتاة عانسا حتى لا يسقط عنها مصدر رزق يساعدها على أن تعيش حياة كريمة مع زوجها وتتجنب الغرق في دوامة الفقر؟

وإذا اختارت أن تتزوج عرفيا كنوع من السترة المادية والهروب من تلميحات وتوصيفات المجتمع القاسية ووصمها بالعانس، فإنها تصطدم برأي ديني يتهمها بأنها ارتكبت خطيئة الزنا، حيث يصنف الأزهر الزواج العرفي بأنه في حكم الزنا، وكأن المؤسسة الدينية والحكومة اتفقتا على تحميل المعاقة ما لا طاقة لها به، وتجاهلتا الظروف النفسية والجسدية القاسية.

وهناك نصوص كثيرة تحول دون أن تعيش النساء حياة طبيعية مثل باقي البشر، وتدفعهن لأن يكن راهبات لا يعرفن للزواج طريقا، ويكفي أن أغلب المطلقات يرفضن الزواج الثاني كي لا يخسرن النفقة أو تسقط عنهن حضانة الأبناء.

ولم تنكر هجرس أن هناك معاقات يلجأن إلى الزواج العرفي، لكنها حذرت من خطورة ذلك على الكيان الأسري والمرأة أيضا في المستقبل القريب، فقد يتنصل منها الرجل في أي وقت، وتواجه معضلة إثبات نسب الأبناء، ويظل الحل الوحيد أن تتحرك الحكومة بدمج السيدات المتزوجات من ذوي الإعاقة ضمن المستفيدات من معاش تكافل وكرامة لظروفهن الخاصة.

وليس من الإنسانية أن يتم التعامل مع المرأة المعاقة كأنها إنسانة سليمة القوام الجسدي عندما تتزوج، وإن كانت هناك مخاوف حكومية من المساواة بين الرجال والنساء ذوي الإعاقة في الجمع بين الراتب والمعاش، حتى لا تخرج كل السيدات للمطالبة بالحق ذاته، فإنها مطالبة بأن تتعامل مع هذه الفئة بطريقة مخصوصة، وتقوم بدورها في تغيير نظرة المجتمع إلى أفرادها حتى يتم تقبل الظروف والاستثناءات، لا أن يتم تخيير المعاقات بين العنوسة والطلاق، إذا أردن الاحتفاظ بالمعاش.

20