معرض القاهرة للكتاب ووهم صنّاع الثقافة المصرية

غياب التقييم وهيمنة المحاباة وسياسية التفرقة وارتباك الأفكار الجديدة تهدد مستقبل المعرض.
الاثنين 2019/02/11
إقبال مُبهر

اختتمت الثلاثاء 5 فبراير الجاري الدورة الخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، والتي احتفت هذا العام بيوبيلها الذهبي، مقدمة دورة جديدة واستثنائية عن دوراتها السابقة، خاصة مع فضائها الجديد، لكن رغم الجهود الهامة فإن هناك بعض الملاحظات لا بد من سوقها حول هذه الدورة.

انتهت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب. دورة اليوبيل الذهبي، وقد حملتْ اسمي الدكتورة سهيرة القلماوي مؤسّسة للمعرض، والدكتور ثروت عكاشة. وهما بحقّ من أبرز صُنّاع الثقافة المصرية في العصر الحديث بلا منازع.

وقد شهدت هذه الدورة من قبل بدايتها، وعلى الأرجح منذ نهاية الدورة السابقة، التي أشار فيها رئيس الهيئة العامة للكتاب، إلى إمكانية نقل المعرض إلى موقعه الجديد، في أرض المعارض بالتجمع الخامس، اعتراضات كثيرة على المكان الجديد، إلى أن تمّ حلّ هذه المسألة بتوفير أسطول من السيارات والحافلات لنقل جمهور المعرض إلى مكانه الجديد.

كما سبق بداية الدورة الجديدة إنشاء المعرض الموازي الذي قام به أصحاب سور الأزبكية بعد استبعاد مُشاركتهم في هذه الدورة، حفاظا على الملكيّة الفكرية للكِتاب، وهذه خطوة مهمّة في سبيل الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية التي تخترق بالكتب المزورة.

ألبوم الصور

الشيء اللافت مع حملات المقاطعة التي وجّهها الكثيرون إلى المعرض قبل بدء هذه الدورة الجديدة، أن الإقبال كان مُبهرا، ولا ينكره إلا جاحد، كما أن صالات عرض الكتب اتّسمت بالتنظيم، ولم يتكرّر ما كان يحدث في الدورات السابقة أثناء نزول الأمطار. وإن كانت ثمة معوقات تمثّلت في إجراءات التفتيش المُبالغ فيها.

من الأشياء التي تمّ استحداثها في هذه الدورة، ما أُطلق عليه الألبوم المصوّر لصُنّاع الثقافة المصرية. وهي فكرة جيدة في مضمونها، غرضها الاستفادة من عصر الصورة، وتأثيرها الإيجابي، بصناعة الكاتب النجم، على غرار صناعة النجوم. هدفها كما ذكروا “توفير مادة للكُتّاب، لترافق الأخبار والمتابعات الصحافيّة حول إنتاجهم”.

اللافت مع حملات المقاطعة التي وجّهها الكثيرون إلى المعرض قبل بدء هذه الدورة الجديدة، أن الإقبال كان مُبهرا

أوّل ما يؤخذ على الفكرة أن عنوانها مُقتبس من كتاب الدكتور سيد البحراوي “صنّاع الثقافة الحديثة في مصر؛ مبدعون ونقاد”، وكان من الأولى على القائمين الإشارة إلى مصدرهم. وكانت بذرتها مقالة كتبها البحراوي نفسه عن الكاتب الراحل يحيى حقي، باعتباره واحدا ممن “أسهموا في بناء كل مثقفينا من جيله ومن الأجيال التالية”.

يقصد البحراوي بصُنّاع الثقافة “كل مبدع أو ناقد، له مُساهمة ثرية في صُنع الثقافة، وإسهامه ليس في عصره فقط، وإنما مساهمته في صنع نمط حياة الإنسان المصري الحديث، على أساس منظومات القيم التي قدمها للمواطنين وللعالم”.

وبناء على هذا المفهوم شمل الكِتاب شخصيات، بدءا من محمد المويلحي وكتابه حديث عيسى بن هشام، وطه حسين وملك حفني ناصف، ويحيى حقي، ولويس عوض، وسهير القلماوي، وإنجي أفلاطون، وفؤاد حداد، وشكري عيّاد، وعبدالعزيز الأهواني، وعلي الراعي، ولطيفة الزيات، وملك عبدالعزيز، وعبدالمحسن طه بدر، ومحمد مهران السّيد، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبدالله، وإسماعيل العادلي، وأُلفت الروبي، ومجدي حسنين.

الأسماء التي أطلق عليها البحراوي وصف صُنّاع الثقافة المصرية الحديثة، وهو وصف حقيقي، ويليق بمنجزهم الذي قدّموه، وما زلنا ننهل من معينه. أما فكرة الألبوم التي لا غبار عليها، فمن وجهة نظري، هي فكرة جيدة ومهمّة في صناعة الكاتب النجم، لكن مع الأسف أدخلت “العاطل على الباطل”، حيث شابها القصور في التنفيذ، وانحرفت عن الهدف الأصلي، بل شوّهت المعنى الحقيقي لعبارة صُنّاع الثقافة. لذا لزم التنويه لتعديل المسار ليس إلا.

فالألبوم -مع الأسف- احتوى على العديد من الأسماء، التي ليس لها مُنجز حقيقي أو تصنّف حتى على أنها مؤثّرة في الثقافة، بل يمكن القول إن بعضها لا علاقة له بالإبداع، فمثلا ما علاقة وزير الرياضة بالثقافة؟ وما هو المنجز الذي قدمه؟ هل حضوره إلى المعرض يسوّغ له بأن يُوصف ويُدرج ضمن صناّع الثقافة؟ ناهيك عن احتواء الألبوم على أسماء غير مصرية، كحمّور زيادة الأديب السوداني، الذي لا اعتراض على شخصه أو إبداعه، فكلاهما محل احترام وتقدير، وإنما الاعتراض على حشرهما ضمن صُنّاع الثقافة المصرية، فهل اكتسب حمّور بإقامته الدائمة في القاهرة الجنسيّة المصرية؟ أم مجرد مجاملة من القائمين على الفكرة.

قد يكون الهدف نبيلا ونحن نثمنه، ومن ثم ندعو القائمين على المُبادرة، إلى إعادة النظر في من يوضع اسمه تحت لافتة صُنّاع الثقافة المصرية، لأنها ليست قليلة أو هبة تُمنح للأصدقاء. يكفي أن وزيرة الثقافة المصرية، غابت عن الدخول في كادر صُنّاع الثقافة، وهذا يدل على غياب التخطيط في اختيار الشخصيات الفاعلة الحقيقية في الحقل الثقافي.

ملاحظات وأسماء

ألبوم صناع الثقافة المصرية يحتاج إلى التعديل
ألبوم صناع الثقافة المصرية يحتاج إلى التعديل

الشيء الثاني الذي غاب عن القائمين والمنظمين لفعاليات المعرض، وكانت المناسبة ملائمة تماما للاحتفال به، خاصة أن المعرض خصّص ندوة للاحتفاء بالكتب المؤسِّسة في الثقافة العربيّة، هو الاحتفاء بكتاب “ذكرى أبي العلاء” لطه حسين. وهو ما يكشف عن عشوائية الاختيار، حيث تمّ اختيار كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” للاحتفاء به، وهو الكتاب الذي احتفت به مكتبة الإسكندرية منذ وقت قريب. وكان الأولى الاهتمام بكتاب “ذكرى أبي العلاء” لأهميته في فكر طه حسين، وهو الكتاب الذي تقدّم به طه حسين كأوّل رسالة للجامعة المصرية عام 1914، وطبع عام 1919.

وقد كانت المناسبة مواتية، بحلول الذكرى المئوية على صدوره بما يحمله هذا الكتاب القيم من أوليات الأفكار الثورية التي مررها طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” (1926)، وأثار الدنيا ضدّه. فكان الأولى أن يُعاد طبعه على هامش اليوبيل الذهبي.

الشيء الذي لا أعرف له سببا، خاصة والدورة تحتفي بمؤسّسة المعرض الدكتورة سهير القلماوي، هو التأخّر في إعادة طبع أعمالها بهذه المناسبة التي لن تتكرر، كوفاء لما أسدته هذه المرأة العظيمة للثقافة المصرية، والعربية. وإحقاقا للحق، صدر الجزء الأول على عجل، استدراكا للارتباك الذي وقع فيه المشرفون، في حين جاءت أعمال محمد عفيفي مطر، كاملة في طبعة رصينة ومغلفة كلها، وهي الأعمال التي صدرت من قبل عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. لا اعتراض على شاعر مهمّ كعفيفي مصر، وإنما كان من الأولى الاهتمام بصاحبة فكرة المعرض، ثم تأتي أعمال مطر في وقت لاحق.

من الملاحظات على هذه الدورة، سياسة التفرقة التي مارسها القائمون على اختيار الضيوف وكذلك الأسماء التي شاركت في فعاليات المعرض؟ فأسس التقييم والاختيار غائبة، ولا أريد أن أرجعها للعلاقات الشخصية أو المواءمات؟ فعلى سبيل المثال اشتكى أدباء العراق، على مواقع التواصل الاجتماعي من عدم دعوة الكتاب العراقيين للتمثيل في المعرض، وكأن العراق خلت من كُتّاب يمثلون بلدهم في هذا المحفل المهم؟

هذه مجرد ملاحظات، دون أن تقلّل من الجهد الذي بُذل لإخراج هذه الدورة بصورة مشرفة تليق بمصر، وبريادتها.

15