معرض باريسي يحتفي بالفن واليوتوبيا في الاتحاد السوفييتي السابق

معرض"أحمر، الفن واليوتوبيا في بلاد السوفييت" ينأى بنفسه عن الأحكام الأخلاقية ليقدم صورة عن الفن في حقبة من تاريخ روسيا تحت النظام الشيوعي.
الاثنين 2019/07/15
أعمال ضخمة تحتفي بأبطال مثاليين

من المعارض الفنية الكبرى معرض “أحمر، الفن واليوتوبيا في بلاد السوفييت” الذي ينتظم بالقصر الكبير بباريس، ويضم أعمالا متنوعة لم يسبق عرضها في فرنسا، تبين الطريقة التي ولّد بها مشروع المجتمع الشيوعي أشكالا فنية مخصوصة.

يحتفي متحف القصر الكبير بباريس بجانب من الإبداعات السوفييتية التي صيغت في ظرف اجتماعي وسياسي خاص، يمتد من ثورة أكتوبر 1917 إلى وفاة ستالين عام 1953.

 ويضم نحو أربعمئة عمل توزعت بين الفن التشكيلي والنحت والهندسة والصورة الشمسية والسينما والديزاين، من إنتاج عدد ممن سعوا إلى مسايرة بناء الاشتراكية، والمساهمة في تغيير نمط عيش الجماهير الشعبية، منذ عشرينات القرن الماضي التي شهدت ظهور عدد كبير من المقترحات الطلائعية، وتأسيس ما يشبه العقيدة الجمالية في مختلف أجناس الفن البصري، كانت أبرز تجلياتها الواقعية الاشتراكية.

في بداية القرن الماضي، كان الفنانون الروس يتابعون ما يجري في أوروبا الغربية، ويحاولون الاستفادة من التيارات الفنية فيها، بعضهم مثل كازيمير ماليفيتش، وفلاديمير تاتلين استلهموا التكعيبية قبل أن يبتكروا ما سمي بالتفوقية suprématisme كفنّ جديد منقطع عن أي مرجعية واقعية، فتبعهم جيل من الفنانين المجددين اغتنم الحماس الذي ولدته ثورة 1917، ووصول البلشفيك إلى السلطة.

وقد اختار إل ليسيتسكي، وألكسندر رودتشنكو، وفرفرا ستيبانوفا، وغرستاف كلوسيس على سبيل المثال الابتعاد عن الرسم الفني وتجريب أشكال تعبيرية جديدة كالخطوطية والصور المركبة والهندسة المعمارية، مثلما اختار آخرون البنائية constructivisme للمساهمة في تحويل أنماط العيش وبناء الاشتراكية. ولكن الفنانين جميعا أرغِموا تحت ستالين على العودة إلى ثيمات في متناول الجماهير الشعبية، باسم الواقعية الاشتراكية، والمساهمة في البروباغندا الرسمية.

بيد أن تلك الطوباوية الفنية التي كان هدفها ربط الفن بالحياة سرعان ما قابلها عداء متنام من السلطة البلشفية، لاسيما بعد أن استولى ستالين على كل مقاليد الحكم عام 1929، فآل الأمر إلى نهاية التعددية التي كان يدافع عنها تروتسكي وبوكانين.

ورافق ذلك قمع لفن اليسار الذي اتهم بـ”الشكلانية البورجوازية”، تلاه توافق حول التصويرية كأفضل صيغة للنفاذ إلى الجماهير الشعبية وإيناسهم بأنماط حياة الإنسان الاشتراكي الجديد.

الطوباوية الفنية التي كان هدفها ربط الفن بالحياة سرعان ما قابلها عداء متنام من السلطة البلشفية، لاسيما بعد أن استولى ستالين على كل مقاليد الحكم عام 1929

وظهرت مجموعة من الفنانين الحداثيين كان لها دور محوري في تحديد الأسس الفنية للواقعية الاشتراكية مثل شركة فناني المحمل بموسكو مع ألكسندر داينيكا، ويوري بيمنوف، وحلقة الفنانين بلينينغراد، وجمعية فناني روسيا الثورية التي كان أعضاؤها يدافعون عن الواقعية، وأقبلوا على ثيمات اشتراكية أبطالُها عمالٌ ومعلمو أرياف ومزارعون، بتشجيع من السلطة التي رأت في أعمالهم صورا وبورتريهات يدركها العامة بسهولة. وقد اقترح أولئك الفنانون أعمالا ضخمة تحتفي بأبطال مثاليين، يعبرون من خلال عملهم أو أجسادهم القوية عن مستقبل زاهر.

ومع ظهور خطوط المترو الأولى في موسكو، عمل الفنانون الجدد على زخرفة المحطات، مثلما عمل المهندسون على إنجاز مشاريع ضخمة كان الغرض منها جعل المدينة عاصمة عالمية، وقد استقبلت السلطات في أثناء ذلك عددا من فناني البلدان المنتمية إلى “العالمية الشيوعية” مثل الألماني هلموت هرتزفلد الشهير بجون هيرتفيلد، والمكسيكي دييغو ريفيرا للغرض ذاته.

وبذلك تخلى الفنانون عما سمي بالفن البورجوازي لينخرطوا في الترويج لفن الإنتاج، فتركوا الفنون التشكيلية وتوجهوا إلى أشكال فنية لها أثر في حياة الناس كالديزاين والسينما والمسرح، وصار الفنان منتج أشياء صالحة للاستعمال، أي أصبح نوعا من “الفنان المهندس”، وكانت مشاريع التخطيط العمرانية هي الأكثر حضورا، مثل مشروع “المدينة الطائرة” لغروغي كروتيكوف، و”نادي العمال” لرودتشنكو، وفق أنماط تخضع هي أيضا للمشروع الاشتراكي.

ذلك التاريخ وتوتراته واندفاعاته وارتداداته يقترحها المعرض ليقف على مدى تسييس الفنون، ويبين كيف أحدثت الثورة انقلابا جذريا في النظام الاجتماعي انعكست آثاره على الخلق الفني، عندما حاول عدد من الفنانين الإسهام في تشييد المجتمع الجديد، رغم اعتراضهم على تحديد ما ينبغي أن يكون عليه فن الاشتراكية. ولما أمسك ستالين زمام الحكم، عمل تدريجيا على إقرار الواقعية الاشتراكية كمذهب جمالي صار ينظم شيئا فشيئا شتى مجالات الخلق والابتكار.

ومعرض “أحمر، الفن واليوتوبيا في بلاد السوفييت” الذي ينتظم حاليا بالقصر الكبير بباريس، يخصص جناحا للواقعية الاشتراكية التي أقرها أندراي جدانوف فنا رسميا عام 1934، فأنهى بذلك الفن الوظيفي وأصبحت غاية الفن هي التفاؤل، أي أن يعمل الفنانون على تصوير مستقبل مشرق، وتمجيد الإنسان السوفييتي كما يتجلى في لوحة ألكسندر دايننكا “دونباس، استراحة غَداء”.

وأخذت الواقعية الاشتراكية شكل لوحات أكاديمية وتاريخية تضفي هالة على رجال الدولة البارزين، وتعكس في عمومها إلغاء لمن اعتبرهم النظام الستاليني خونة، تأكيدا على رغبته في إعادة كتابة التاريخ، فلوحات تلك الفترة مثل “ستالين وأعضاء البوليتبيرو وسط أطفال بحديقة غوركي” لفاسيلي سفاروك، تظهر أن بعض من رافقوا ستالين في بداية عمله السياسي لا يبدو منهم غير أطياف غائمة الملامح.

هو معرض ينأى بنفسه عن الأحكام الأخلاقية والجمالية ليقدم صورة عن الفن في حقبة من تاريخ روسيا تحت النظام الشيوعي، ويتحسس ارتهان الخلق بالمقتضيات الأيديولوجية.

16