معرض باريسي يقتفي مسيرة فزاريلي مبتكر فن الخداع البصري

معرض يكشف عن المراحل الهامة في حياة الفنان فيكتور فزاريلي ويلقي الضوء على مقاربته للفن الخطوطي وجمالياته دون إهمال جانبه التشكيلي.
الاثنين 2019/02/11
ألوان تتداخل لتبدو متحركة

يحتضن مركز “بومبيدو” بالعاصمة الفرنسية باريس، حتى مطلع شهر مايو المقبل، معرضا للمجري الفرنسي فيكتور فزاريلي، الفنان الذي استطاع أن يسجل حضورا بارزا خلال القرن العشرين بابتكار فن الخداع البصري، الذي يمتح كثيرا من دنيا العلوم.

يكشف مركز “بومبيدو” الباريسي لزواره في معرض استعادي عن المراحل الهامة في حياة الفنان المجري الفرنسي فيكتور فزاريلي (1906-1997) منذ أن ترك دراسة الطب بجامعة بودابست والتحق بموهلي، مدرسة الفنون التي أسسها ألكسندر بورتنييك على غرار مدرسة باوهاوس في ديساو، وكانت تعتمد على الدروس التي كان يتولى تدريسها في المدرسة الألمانية فنانون كبار أمثال فالتر غروبيوس، وفاسيلي كادينسكي، وبول كلي، وجوزيف ألبيرس.

وسوف يكون لتلك الدروس أثر هام في مدوّنة فزاريلي، فقد تدرب في تلك المرحلة على الاتجاهات البنيوية واكتشف الفن التجريدي، وأنجز عمليه “دراسة زرقاء” و”دراسة خضراء”، واعتنق نظريات ترمي إلى نشر فن أقل فردانية وأكثر تشاركية، فن ينسجم مع تغيرات العالم المعاصر والتحولات الصناعية، وكانت الحكومة المجرية في ذلك الوقت قد بدأت تدرج مختلف الحركات الطلائعية إلى الحركة التقدمية التي بدأت تظهر في المجال السياسي.

كما يتبع المعرض خطى فزاريلي عندما غادر المجر واستقر بباريس، حيث عمل في مطبعة وفي وكالة إشهار، ما سمح له بمقاربة الفن الخطوطي وجمالياته دون إهمال جانبه التشكيلي.

وفي تلك الفترة، أي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وضع فزاريلي الأسس الجمالية لبحثه التشكيلي، والذخيرة القاعدية لمرحلته الحركية التجريدية، واستثمر كل الثيمات التي سوف يعود إليها من بعد، كالعمل على الخط، وآثار المواد، وحالات الضوء والظل، والأفق المنظوري.

نلمس دراساته التخطيطية ذات البعدين في لوحات “حمير الزرد” و”رقعة الشطرنج” و”الفتاة الزهرة”، حيث لا تتحدد الأشكال بخط، بل تنبثق من شبكات معوجة أو من مفارقات يتصل بعضها ببعض.

وبعد تجربة في الفن التشكيلي الصرف بدا فيها تأثره بالتكعيبية والسريالية، وأقر بنفسه أنها كانت طريقا ضالة، عاد ليعمق مجراه من خلال تجاربه الحركية  cinétique، وأعاد اكتشاف الآفاق المتضاربة للاستحوار axiométrie (طريقة تمثيل تستعمل في الرسم الصناعي) جسّده في لوحة “تحية إلى ماليفيتش”، حيث تحوّل المربع المتحرك على المحور إلى مُعيَّن ليخلق بذلك مبدأ بصريا سوف يكون محور بحوث فزاريلي الحركية، التي ستكون سببا في ذيوع صيته عالميا، خصوصا بعد أن احتضن رواق دنيز روني بباريس أعماله، إلى جانب فنانين آخرين كانوا يمارسون مثله الفن الحركي كالفرنسي مارسيل دوشامب والأميركي مان راي والسويسري جان تينغيلي.

 أثر مشروع فزاريلي على الثقافة الشعبية في عصره
أثر مشروع فزاريلي على الثقافة الشعبية في عصره

وفي السنة نفسها أصدر فزاريلي “المانيفستو الأصفر” شرح فيه مفهوم “الفن التشكيلي الحركي”، مستعيدا دراسات رواد البنائية constructivisme ودروس باوهاوس، واستهل بذلك تجربة الخداع البصري، الذي يقوم على وحدة مؤلفة من شكلين ذوي لونين مفارقين، يتبدى للناظر أنهما يتداخلان ويتحركان، أو يغيران شكلهما في كل مرة.

بتينك الوحدتين الملونتين، ذواتي أصباغ قوية أو مفارقة، ابتكر الفنان أبجديته التشكيلية التي جسدت فكرة يرجع عهدها إلى مطلع القرن لدى التجريديين، تلك التي تتوق إلى منهاج يسمح بخلق لغة كونية يفهمها الجميع، تلك الأبجدية التشكيلية سوف تصبح نقطة انطلاق فن جماعي.

فمن خلال التكوينات والتداخلات، صار تعدد المقترحات ممكنا، ما سمح بإيجاد أداة ذات صبغة كونية، دون التخلي عن الخصوصيات المحلية، بل صار بالإمكان تخزين العناصر المكونة وبرمجتها، خصوصا باستعمال التكنولوجيات الجديدة المتوافرة في المصانع، ما جعله قادرا على إنجاز أعمال ضخمة مندمجة في الهندسة المعمارية والبيئة الحضرية.

وكان فزاريلي، الذي احتفظ من مرحلة تكوينه العلمية بالمنهجية والموضوعية والتعطش للمعرفة القريبة من دنيا العلوم، يؤكد “أن المستقبل يُرسم مع المدينة الهندسية الجديدة، المشمسة، المتعددة الألوان، وأن الفن التشكيلي فيها سيكون حركيا، متعدد الأبعاد، مشتركا، تجريديا بالضرورة وقريبا من العلوم”.

وهو ما سعى إلى تحقيقه في سبعينات القرن الماضي، عندما أبدى اهتمامه بالبنية الخلوية في سلسلة أعمال أطلق عليها “تحية إلى فرنسا” بدت فيها التضاريس في شكل تحوّلات مستمرة، مجوّفة حينا وبارزة حينا آخر، وضاعفت الدرجات الملونة في اللبس الذي يخدع البصر، من خلال اقتراح الحركة دون إنجازها، ما يخلق علاقات جديدة بين المشاهدين والعمل الفني، باستثارة مشاركة عملية لدى المشاهد، الحر بطبيعة الحال في تأويل الصورة مرارا وتكرارا على قدر الوضعيات البصرية التي يكون فيها، وقد بوأته تلك الأعمال المبتكرة لقب مبتكر الفن البصري، أو فن الخداع البصري.

هو معرض يضم نحو ثلاثمئة عمل من منحوتات ولوحات وقطع هندسية وحتى بعض اللافتات الإعلانية التي أنجزها أول قدومه إلى باريس، بُني على مسار كرونولوجي وثيمي، يبدأ من تكوين الفنان وسيره على خطى باوهاوس إلى آخر ابتكاراته الشكلية، مرورا بلغة بصرية كونية ومطمح يتوق إلى فنّ واسع الانتشار. وقد حرص المعرض الباريسي الذي يستمر حتى مطلع مايو المقبل على إبراز أثر مشروع فزاريلي على الثقافة الشعبية في عصره كالموضة والديزاين والسينما والرسم الخطوطي، وموقعه البارز في مخيال “الثلاثين الظافرات”، أي الأعوام الثلاثين التي عقبت الحرب العالمية الثانية وشهدت فيها فرنسا نهضة كبرى.

16