معضلة البطالة المتواصلة في تونس تتجاوز كل الحدود

ارتفاع نسبة البطالة في تونس إلى 17.4 في المئة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020 مقابل 16.2 في المئة في الثلاثي الثالث من نفس السنة.
الأحد 2021/02/21
أزمة البطالة تشتد في تونس

تونس - ارتفعت نسبة البطالة في تونس مجددا مع نهاية السنة الماضية، وسط انكماش اقتصادي مقلق وأزمة سياسية خانقة منهمكة في الصراعات، فيما أهملت مشاغل التونسيين الحقيقية المتعلقة بالتشغيل والتنمية.

وأعلن المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) عن ارتفاع نسبة البطالة في تونس لتبلغ 17.4 في المئة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020، مقابل 16.2 في المئة في الثلاثي الثالث من نفس السنة.

وأظهرت نتائج المسح الوطني حول السكان والتشغيل للثلاثي الرابع من سنة 2020، أنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ 725.1 ألف عاطل عن العمل من مجموع السكان النشيطين مقابل 676.6 ألف عاطل عن العمل تم تسجيلهم خلال الثلاثي الثالث لسنة 2020، لترتفع بالتالي نسبة البطالة إلى 17.4 في المئة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020، مقابل 16.2 في المئة في الثلاثي الثالث.

وبلغت نسبة البطالة لدى الذكور 14.4 في المئة مسجلة ارتفاعا بـ0.9 نقطة، فيما قدّرت لدى الإناث بـ24.9 في المئة بارتفاع بـ2.1 نقطة خلال الثلاثي الرابع لسنة 2020.

وأفاد المعهد الوطني للإحصاء بأنّ تقلص العاملين يعود إلى التراجع بـ78.3 ألف عامل الذي شهده الثلاثي الرابع من سنة 2020 إثر الارتفاع الذي شهده خلال الثلاثي الثالث، حيث بلغ في الثلاثي الرابع من السنة الماضية 3433.4 ألف عامل أكثر من ثلثيهم من الذكور، مقابل 3511.6 ألف خلال الثلاثي الثالث من سنة 2020.

ويتوزّع العاملون في النشاط الاقتصادي على 52.8 في المئة في قطاع الخدمات و17.9 في المئة في قطاع الصناعات المعملية و16 في المئة في قطاع الصناعات غير المعملية و13.3 في المئة في قطاع الفلاحة والصيد البحري.

وتعيش تونس، التي ارتفع فيها عدد العاطلين عن العمل، حالة احتقان اجتماعي واحتجاجات متكرّرة في مختلف محافظات البلاد بعد عقد من سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي في 2011.

فوزي عبدالرحمن: تراجع التشغيل بالوظيفة العمومية فاقم الأزمة
فوزي عبدالرحمن: تراجع التشغيل بالوظيفة العمومية فاقم الأزمة

وفسّر وزير التكوين المهني والتشغيل السابق فوزي بن عبدالرحمن تفاقم نسبة البطالة بـ”تعطّل محركات التشغيل المدفوعة بالأزمة الصحية تبعا لتفشي جائحة كورونا”.

وأوضح عبدالرحمن في تصريح لـ”العرب”، أن “تراجع التشغيل في الوظيفة العمومية يعود إلى ضعف الدولة والاقتصاد المأزوم وصعوبات كبيرة لدى المؤسسات، فضلا عن محرك النمو الاقتصادي الذي لا يحفز على التشغيل، وتعطل المبادرات الخاصة لعدم وجود مناخ إجرائي (قانوني) ومصرفي (البنوك)”.

وبيّن أن “أزمة وباء كورونا عمقت الصعوبات وجعلت نسبة البطالة تنتقل من 15 إلى أكثر من 17 في المئة، أي بنسبة 10 آلاف عاطل جديد عن العمل، كما أن هناك فئات أخرى فقدت وظائفها”.

ولعلّ ما زاد في معدل البطالة تلك الانتدابات العشوائية التي ملأت القطاع العمومي وأرهقت الموازنة العمومية للدولة عن طريق الضغط على الأجور.

ولمعالجة هذه الأزمة اقترح عبدالرحمن “تقليص عدد العاملين في الوظيفة العمومية وإعادة هيكلتهم، والتفكير في التقاعد المبكّر والسماح للقطاع بالانتداب بين 15 و20 ألف عامل في السنة، وتشجيع النسيج الاقتصادي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة ووضع الإمكانيات اللازمة للتسريع في الإنتاج، فضلا عن تشجيع المبادرة الخاصة ومراجعة المنظومة المصرفية غير الناجعة في مساهمتها في الاقتصاد الوطني”.

واعتبر التشغيل بمثابة وعاء للسياسات العمومية، وهو لا يقتصر على دور وزارة التشغيل التي عليها أن تطور مستوى التكوين المهني من 30 ألفا إلى 100 ألف متكون، حسب تقديره.

وتطرق وزير التشغيل السابق إلى الفشل في تحقيق الاستقرار السياسي الذي أثر بشكل واضح في السياسات العمومية وعطّل آليات التشغيل، في ظل غياب استراتيجية في القطاع الصناعي والفلاحي والمصرفي.

هشام العجبوني: الاقتصاد التونسي غير قادر على خلق الثروة
هشام العجبوني: الاقتصاد التونسي غير قادر على خلق الثروة

وذكّر بمحدودية التفكير في ما يخص الموارد البشرية الناتجة أساسا عن عدم الاستقرار السياسي وغياب تصورات الأحزاب، وغياب النقاشات العامة حول المسألة والاقتصار على النقاش في مواضيع تافهة في الشأن السياسي.

وأشار إلى أن “التوجيه المدرسي والجامعي يرتبط بقرارات قديمة وأهمل الوضع العام وسوق الشغل الحديثة ولم يعد يركز على هذه الإخلالات”، متسائلا “كيف للدولة أن تدرّس طالبا في تخصص معيّن وهي تعرف أنه بعد أربع سنوات سيبقى عاطلا عن العمل؟”.

ووصف هذه “المنظومة بالبالية التي لم تعد تستجيب لمتطلبات العصر”.

وتعيش قطاعات حيوية لاقتصاد تونس في شبه ركود جراء الجائحة الصحية حيث علّقت 70 في المئة من النزل نشاطها وتمت إحالة العاملين فيها على البطالة الجزئية أو النهائية.

ويعاني قطاع الفوسفات، وهو أحد مصادر الدخل الأساسية لاقتصاد البلاد، من حالة شلل تام بسبب توقف النشاط المنجمي لفترات طويلة جراء احتجاجات طالبي الشغل.

وسجّل قطاع الخدمات المسوقة، الذي يضم السياحة ونشاط المطاعم والنزل والمقاهي، أقسى نسبة هبوط في النشاط بتراجع قدر بـ13.3 في المئة على مدار سنة كاملة، يليه قطاع الصناعات المعملية الذي تراجع 9.3 في المئة ثم قطاع الصناعات غير المعملية الذي سجل تراجعا بنسبة 8.8 في المئة مقابل نمو نسبته 4.4 في المئة للقطاع الزراعي الذي يعد النشاط الوحيد الذي يعرف نموا إيجابيا العام الماضي.

وتعاني القطاعات الهشة في تونس على غرار المقاهي والمطاعم من أزمة حادة، حيث بات معظمها مهددا بالإفلاس، في ظل انتقادات للحكومة بشأن عدم اتخاذها إجراءات دعم.

وفاقمت قرارات الحكومة التونسية الأخيرة لاحتواء تفشي فايروس كورونا من وضعية هذه القطاعات وقادت إلى ارتفاع في نسبة البطالة نظرا للارتباط الوثيق لنشاطها بالاستهلاك اليومي للمواطن.

وأشار هشام العجبوني، عضو اللجنة المالية والتخطيط والتنمية في البرلمان في تصريح لـ”العرب”، إلى أن “الأزمة الصحية ساهمت في ارتفاع عدد المعطلين”، لافتا إلى أن “الاقتصاد التونسي الذي رافق كل الحكومات السابقة غير قادر على خلق الثروة”.

وأضاف العجبوني أن “هناك ترابطا كبيرا بين التعليم والتكوين المهني والبحث العلمي والتشغيل، والدولة التي تحترم نفسها عليها أن تعرف مسبقا حاجيات الشغل داخليا وحتى خارجيا (مثل ليبيا والجزائر وأوروبا) وتوجّه التعليم الجامعي نحو هذه الحاجيات، خصوصا وأن 40 في المئة من المهن الحالية سيتم تجاوزها خلال 15 أو 20 سنة قادمة”.

وربط العجبوني حلحلة الأزمة بتوفير الاستقرار السياسي والحكومي المفقود منذ عشر سنوات، فضلا عن إيفاء الدولة بتعهّداتها واستئناف نشاط مواقع الإنتاج على غرار شركة فوسفات قفصة والمجمع الكيميائي التونسي.

ودعا إلى “ضرورة التفكير بجدية في تحقيق الاستقرار السياسي برؤية واضحة وإعادة الثقة للفئات الشبابية، ورفع نسق التنمية في المناطق المهمّشة، وهذا يتطلب إرادة سياسية قوية”.

وتتجاوز نسبة البطالة في ولاية (محافظة) تطاوين (جنوب) 30 في المئة وهي من أكبر المعدّلات في البلاد كما تسجل نسبة الفقر 17.8 في المئة، وزادت تداعيات وباء كوفيد – 19 من شدة الأزمة الاقتصادية بخسارة الآلاف من الوظائف وفقدان العديد من العائلات لموارد رزقها.

وأغلق العشرات من الشبان المحتجين الجمعة الماضي شوارع المدينة، مطالبين الحكومة بتطبيق وعود اتفاق الكامور (مواقع إنتاج النفط) بالتوظيف والاستثمار التي تم إبرامها نهاية العام 2020.

2