مقتدى لم يكن حلا، ولن يزيد التيار الصدري العراق إلا مِحَنا

الكذب السياسي مهنة رجال الدين في العراق قبل الانتخابات وبعدها.
الأربعاء 2021/10/13
بياع كلام

انتهت التكهنات بشأن نتائج الانتخابات التشريعية العراقية بظهور النتائج مع كل الخلافات بشأنها، وبدأت تكهنات تشكيل الحكومة العراقية بقيادة التيار الصدري وتضاف إليها تكهنات بشأن وعود زعيم التيار مقتدى الصدر بتنفيذ ما تعهد به في خطبة النصر التي ألقاها بعد ساعات من إعلان نتائج الانتخابات.

قبل يومين من إعلان فوز التيار الصدري بالانتخابات البرلمانية وجدت جثة الشاب حيدر محمد الزاملي ملقاة في المياه بمدينة الديوانية جنوب العراق، وبعد يوم واحد من اختطافه.

لم يفعل حيدر الناشط في تظاهرات انتفاضة تشرين التي عمت المدينة على مدار سنتين غير أن نشر على حسابه على فيسبوك رسما كاريكاتيريًّا لرجل دين يشبه مقتدى الصدر يقف خلف قطيع من الأغنام وهي تتقدم بانتظام للتصويت في صندوق انتخابي مثبت عليه شعار الإصلاح.

اليوم وبعد فوز التيار الصدري في الانتخابات واحتفال أنصاره بقوة، ليس بمقدور الجهات الأمنية مواصلة التحقيق في جريمة قتل حيدر، بينما كل الدلائل تشير إلى ميليشيات جيش المهدي.

كذلك تفتقر خطبة النصر التي ألقاها مقتدى في ليلة إعلان النتائج الأولية إلى الحياء العراقي مثلها مثل أي شيء سياسي يباع في العراق منذ عام 2003، ويمكن اختصارها بأنها كذب في كذب أكثر من الكذب نفسه.

ندرك جميعا أن الكذب مهنة السياسيين الكبار، لكنها في العراق وقبلها في إيران صارت مهنة رجال الدين، ومقتدى الصدر رجل دين في مهمة سياسية اليوم لتشكيل الحكومة العراقية.

استخدم الصدر في خطبته مفردات الإصلاح والدولة المدنية، والسيادة، والعدالة الاجتماعية، وإنهاء الفساد ورفض التدخل الخارجي ومصادرة السلاح خارج سيطرة الدولة. وجميعها تمثل إدانة للتيار الصدري عندما ارتكب انتهاكات شنيعة سواء عبر الجرائم الموثقة لجيش المهدي أو بإدارة ماكنة الفساد من قبل ممثلي التيار في البرلمان العراقي أو داخل الوزارات.

فمن السخف، وفق تعبير المحلل السياسي العراقي فاروق يوسف، التفكير في أن رجل الدين مقتدى الصدر يفكر في الدعوة إلى إقامة دولة مدنية لن يكون له مكان فيها.

وسيضحك السيد مقتدى حين تصل إليه استنتاجات المحللين التي يصر أصحابها على أن الصدر صار يتفهم ضرورة قيام الدولة المدنية.

نحن لا نمارس السياسة

دوغلاس سليمان: الصدر واحد من مكابح التوسع الإيراني والنفوذ السياسي الشيعي

لم تكن مثل هذه التحليلات نتائج اليومين الماضيين مع التكهنات التي أجمعت على فوز التيار الصدري، بل إنها موجودة، وكان آخرها تقريران موسعان لصحيفتي فايننشيال تايمز البريطانية وواشنطن بوست الأميركية، توصلا إلى أن رجل الدين الراديكالي لن يكتفي بأن يكون “صانع ملوك” في العراق بعد انتخابات 2021، وإنما سيكون موضع قبول من قبل القوى الغربية الأميركية والبريطانية، باعتباره معادلا مفضلا على الميليشيات الولائية التي تديرها طهران في العراق.

وقال دوغلاس سليمان السفير الأميركي السابق لدى العراق ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن “وجدنا أن الصدر واحد من المكابح الرئيسية للتوسع الإيراني والنفوذ السياسي الشيعي الموغل في الطائفية بالعراق بعد انتخابات 2018”.

مثل هذا الكلام ليس مفاجئا للشارع العراقي الذي يعرف جيدا التاريخ الدموي للصدر، مثلما تحمّل نتائج فشل ممثليه في الحكومات العراقية، ويرى فيه العراقيون استمرارا لتبرير الرثاثة السياسية القائمة على الأحزاب الدينية منذ احتلال بلدهم من قبل تلك القوى التي احتلت بلادهم.

وقال الكاتب السياسي العراقي مصطفى سالم “مقتدى وتياره بلا رصيد معرفي، وهو لا يضيف للعراق شيئا، وفوزه يعني أن مواجهة من يعارض الفساد ستكون أكثر وحشية”.

وأكد سالم في تصريح لـ”العرب” أن “مقتدى لا يمكن أن يكون بلا سلاح، فهو رجل ضمن خاطفي الدولة”.

وأشار إلى أن “مقتدى ابن هذا النظام الفاسد الطائفي وتاريخه أسوأ من مجزرة، ولكنه ملتصق بإيران ويعرف حدوده وهي ستقضي عليه لأنها بحاجة إلى الصدام الشيعي – الشيعي حاليا”.

وقال “لو اطلعنا على نتائج الانتخابات وأسماء الفائزين سنة وشيعة سنعرف أن هذا النظام لا علاج له إلا من خارجه”.

ولم يكن الصدر يعاني من مشكلة في الانتخابات البرلمانية بالرغم من المنافسة الشديدة التي واجهها من تيار خصمه اللدود رئيس حزب الدعوة الإسلامي نوري المالكي وتحالف الفتح برئاسة هادي العامري الذي جمع الميليشيات الولائية.

كان الصدر يعبر عن اطمئنانه إلى أن تياره سيحصل على نسبة مريحة يؤكد من خلالها حضوره في توليفة الأحزاب الحاكمة.

يعترف حاكم الزاملي، أحد أكبر قياديي التيار الصدري، “نحن لا نمارس السياسة كما يفعل الآخرون”، وهو صادق في ذلك؛ لأن التجربة أكدت للعراقيين أن التيار الصدري ليس لديه أمثلة سياسية يقدمها، مثلما قدم من قبل قيس الخزعلي الميليشياوي الذي خرج عن سلطة التيار في عمليات القتل على الهوية واستقل بميليشياته المارقة، ومثله أبودرع، أحد أكبر القتلة الطائفيين في جيش المهدي.

ويبقى المثال السياسي للتيار ممثلا بوزارات الفساد من الصحة والداخلية والدفاع والاتصالات، حتى السيطرة على الدرجات الخاصة في وزارات النفط والكهرباء والبنوك التابعة للدولة، التي تدر أموالا هائلة عبر المساومات على العقود.

ويوضح تحليل أجرته وكالة رويترز أن الوزارات التي شغل الصدريون أو حلفاؤهم مناصب فيها في الآونة الأخيرة تمثل ما بين ثلث ونصف موازنة العراق لعام 2021 البالغ حجمها 90 مليار دولار. لكن الحكومة العراقية لم تعلق على هذا الأمر.

حاكم الزاملي نفسه الذي يتحدث عن مثال سياسي جديد للتيار الصدري، متهم بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق عندما شغل منصب وكيل وزير الصحة. وأدار خلال الحرب الطائفية فرق الموت في جيش المهدي، وسُجن بتهمة استخدام منصبه كوكيل لوزارة الصحة لتحويل الموارد للخطف الطائفي والقتل.

مع ذلك يصر نصار الربيعي رئيس الجناح السياسي للتيار الصدري بالقول “لا يمكن أن يكون لديك رئيس وزراء الآن بدون دعم الصدريين”.

الصدر وإيران

العراقيون لا يثقون بأن الصدر سيفي بوعده بنزع سلاح الميليشيات الخارج عن سيطرة الدولة
العراقيون لا يثقون بأن الصدر سيفي بوعده بنزع سلاح الميليشيات الخارج عن سيطرة الدولة

لقد أقام الصدر علاقة مضطربة مع إيران، تعبر عن شخصيته المضطربة، فهو مثلا لا يقلد وفق المفاهيم الشيعية مرجعية آية الله علي السيستاني، وإنما يعود في كل الاستشارات السياسية والدينية إلى رجل الدين كاظم الحائري الموجود في إيران.

كما أن الصدر عندما يعبر عن انزعاجه لا يعتكف في منزله وإنما يتوجه إلى قم أو طهران، وفي أوج الحديث الذي دار عن خلاف الصدر مع إيران ظهر في مجلس عزاء أداره المرشد الأعلى علي خامنئي، متوسطا الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني وزعيم فيلق القدس المقتول قاسم سليماني.

لذلك يتقاسم الصدر مع الإيرانيين أهدافا متشابهة منذ عام 2003، بينما تبدو الخلافات أقل من أن تخل بـ”وحدة الطائفة الشيعية” وفق وصايا خامنئي للعراقيين. فالصدر في النهاية لا يستطيع تحمّل استعداء إيران كما يزعم بعض أنصاره.

مع ذلك ينظر إليه بشكل أو بآخر على أنه المعادل الموضوعي الأهم لقوى الدولة. ورغم أنه أبو جميع الميليشيات المسلحة، إلا أن علاقته الإشكالية بإيران وضعته في موقف اللاحرب واللاسلم مع إيران، وهو موقف قابل للتغييرفي أي لحظة.

وقال الأكاديمي والمحلل السياسي العراقي رحيم مزيد الكعبي “إيران المنتشية بمفاوضاتها النووية مع المجتمع الدولي، تريد أن تعود بكل ما لديها من قوة لإعادة التموضع في العراق”.

وأضاف الكعبي، في تصريح لـ”العرب”، “طهران تمتلك من الحلفاء ووسائل الضغط في الداخل العراقي ما لا تطيق واشنطن والديمقراطيون المتململون من الملف العراقي، معه صبراً”.

وقال مصطفى سالم “بين عمامة السيستاني المتوارية وعمامة مقتدى الجاهلة تدفن الدولة ومعها القانون”.

مصطفى سالم: مقتدى لا يمكن أن يكون بلا سلاح، فهو ضمن خاطفي الدولة

وأشار سالم في تصريح لـ"العرب" إلى أن “ميليشيات الحشد -وبغض النظر عن التصريحات في وسائل الإعلام- بحاجة إلى الطرفين المرجعية والصدر معا، وذلك لأسباب إيرانية. لكن مقتدى يريد الحشد جهاز قتل يعمل لحسابه، فيما يوظفه ابن السيستاني لتكسير خصومه ومنهم مقتدى”.

وأكد على أن مقتدى وميليشياته غير قادريْن على القيام بما يقوم به الحشد الشعبي لصالح إيران. وحاجة طهران إلى دور الميليشيات أكبر من أن تتخلى عنهم بصفقة إلا في مرحلة تسبق الانتحار.

على الجانب الآخر يقدم التيار الصدري نفسه للمحيط الإقليمي والدولي بوصفه لاعبا سياسيا معتدلا لإنقاذ العراق من الميليشيات المدعومة من إيران ومحاربا لقوى الفساد التي تخترق المؤسسات العراقية.

ويدرك الصدر جيدا أن خصومه في البيت الشيعي هم الآن في أضعف مراحلهم لذلك سيكرس نفوذه داخل الدولة من خلال دعم رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي وربط علاقة تفاهم مع الأميركيين عبر هذا الدعم، ما يحوله إلى الرجل المهم في العراق.

وذكرت صحيفة فايننشيال تايمز أنه بالنسبة إلى بعض صانعي السياسة الغربيين القلقين من النفوذ الإيراني في العراق، فإن الصدر الذي وصفته وسائل إعلام أميركية سابقا بالأكثر خطورة في العراق قد يكون بديلا جذابا لجماعات أكثر موالاة لإيران.

وكشفت الصحيفة البريطانية في تقرير موسع لها عما رأته دلالة على مدى تغيّر التيار الصدري، بالتقاء أعضاء نافذين مقربين من الصدر بدبلوماسيين غربيين.

وقال ضياء الأسدي القيادي في التيار “توجه التيار الصدري هو الانفتاح على العالم”، مؤكدا على أنه يجب أن يكون على أساس المصلحة المشتركة وألا يكون لأي دولة الحق في التدخل في الأعمال التجارية العراقية.

وقال دبلوماسي غربي إن التيار الصدري “اتخذ قرارا متعمدا” العام الماضي بالتواصل مع بريطانيا والولايات المتحدة، إذ أدركوا أنهم إذا لعبوا دورا أكبر في الحكومة فإن وجود علاقات مبدئية مع القوى الغربية سيكون أمرا مفيدا.

غير أن المتحدث باسم السفارة الأميركية في بغداد نفى أي اتصال مع أعضاء في التيار الصدري، فيما رفض مسؤولون بريطانيون التعليق على مثل هذه اللقاءات.

إلا أن لهيب هيجل المختصة بالشؤون العراقية في مجموعة الأزمات الدولية أكدت على تحسن علاقة الصدر والغرب بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية.

وأضافت “الصدر كان يبيع نفسه كخيار قابل للتطبيق، وخيار مركزي في السياسة العراقية”.

وعبر مسؤول غربي كبير عن اعتقاده بأن واشنطن في هذه المرحلة تنظر إلى الصدر على أنه قومي، وهو أفضل من الخيارات الأخرى.

الصدريون لا يمتلكون الحل

Thumbnail

ما زال التيار الصدري يحتفل بنصره في الانتخابات التشريعية، ويقدم نفسه كقوة مستحوذة على الدولة بسلطة “الانتخابات الديمقراطية” في أي مواجهة محتملة مع منافسيه من الأحزاب الشيعية الذين عبروا عن رفضهم لنتائج الانتخابات، ورفضهم لكلمة الصدر.

مع ذلك لا يعبر أغلب العراقيين عن ثقتهم بأن الصدر سيفي بوعده خصوصا في ما يتعلق بنزع سلاح الميليشيات الخارج عن سيطرة الدولة، لأنه في ذلك عليه أولا أن ينزع سلاح جيش المهدي!

وقال الكاتب العراقي مسار عبدالمحسن راضي “إنَّ فوز الصدر لن يحُلَّ مشكلة العراق. والمقاعُد التي فاز بها في برلمان 2021 هي (نُسخة ضوئية) مع زيادات، خرجت من جهاز استنساخ انتخابات 2018، حيثُ الأحبارُ فيها العزوف الجماهيري الكبير عن المشاركة، وألوان باهِتة من الدعم الدولي والأممي؛ فنحنُ نعلم أنَّ عدم المشاركة بنسبة عالية في هذهِ الانتخابات، إضافة إلى دور نِظام الدوائر المتعددة، كان له أثرٌ بارز في تضخيم الناتج الانتخابي له”.

وأضاف راضي، في تصريح لـ”العرب”، “الصدريون بحسب التجربة السابقة لم يقودوا مؤسسات البلاد باحترافية. هم ليسوا رِجال دولة.. هم رِجالُ سِلاح وثقافة شعبويّة دينيّة. كمِثال، شاهدنا خِلال الفترة الماضية ما آل إليه حال القِطاع الصَّحي الذي قادهُ الصدريون”.

ويتوقف اجتياز الصدر للسنين الأربع القادمة على مُعادلةِ دعم مؤسسات الدولة، خاصّةً الخدمية منها، والتي لها عِلاقة مُباشرة بحياة الناس، لا أن تكون قياداته التي تُعاني من ضُعفِ “صنعة الدولة” هي الموجودة على رأس المؤسسات.

واعتبر راضي أن “قُدرة الصدر على تخليص مركبة الدولة من بطّارية شحنِها بالميليشيات الإيرانيّة، ستعتمِدُ على شهيّة المُحاصصة لديه. إن استطاع أن يكون بسيط المأكل والمشرب الوزاري فسوف يستطيع الحد من النفوذ الإيراني، أمّا إن أطلق العِنان لشهيَّتِه الوزارية فسيتصادمُ مع تلك الميليشيات الإيرانيّة التي ستحرِصُ على بثِّ الرعب: الصدر سيأكلُنا جميعاً”.

وعبر عن اعتقاده بأن المجتمع الدولي سيدعمُ الصدر الذي يدعم الدولة، لا الصدر المصاب بوسواس لويس الرابع عشر: أنا الدولة والدولة أنا. أمّا المجتمع الإقليمي -العربيُ منه على وجه الخصوص- فسيدعمهُ عندما يرى الأفعال على الأرض، عندها سيحصلُ على دعمٍ كبير؛ بل وسيكونُ جِسراً بين العرب “الشيعة” والبرِّ العربي “السُّني” الكبير.

غير أن مصطفى سالم قال “كانت مراكز الانتخابات في أقل عدد، لكن نتائج مقتدى تتصاعد بشكل يوضح أن جهة ما تدير العراق”.

واعتبر سالم أن المجتمع الشيعي تراجع بصعود مقتدى ولا يملك بدائل سوى حركات نشأت وتعبر عن ابن السيستاني أو حركات تابعة لأحزاب الميليشيات في حقيقتها.

وأضاف “مقتدى يراد له القضاء على تيار تحرري انبثق من احتجاجات تشرين، وهو تيار يفتقد للفكر، لذا سيواجهه مقتدى في مربعه الذي ينمو فيه وهو مربع الجهل والاغتيال”.

واستنتج سالم أن “الوضع الإقليمي سيتقبل مقتدى طالما أنه يسير بالعراق إلى الوراء. ومقتدى ليس لديه ميليشيات متدربة تدريبا عاليا أو متوسطا، لذا لن تعوّل عليه إيران”. 

7