مكافحة فرنسا للتطرف الإسلامي طريق لا رجعة عنه

تجفيف منابع التمويل الخارجية أبرز محاور قانون الانفصالية.
الخميس 2021/02/18
جالية تتلاعب بها الأيديولوجيات

صادقت فرنسا في وقت أقل مما كان متوقعا على قانون الانفصالية الذي يهدف إلى مكافحة التطرف الذي تغذيه تيارات الإسلام السياسي. ويعول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هذا القانون بالأساس لتجفيف منابع التمويل الخارجي للجماعات الإسلامية في إطار مساعيه لتركيز إسلام معتدل يتماشى مع قيم الجمهورية.

باريس - تواصل باريس دون هوادة تشديد ترسانة قوانينها في مكافحة التطرف الإسلامي والانفصالية التي تغذيها تيارات الإسلام السياسي على أراضيها، فيما لم يستبعد مراقبون أن تقتدي بقية الدول الأوروبية بالحزم الفرنسي في مواجهة الحواضن الفكرية للتطرف، فضلا عن المعالجة الأمنية.

وفي خطوة لم يطل انتظارها منذ إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عنها في سبتمبر الماضي، وافقت الجمعية الوطنية (البرلمان) في فرنسا الثلاثاء على قانون تمّ سنّه بشكل أساسي للتصدي لصعود التطرف الإسلامي في البلدات والمدن والذي تقول الحكومة إنه يهدد الوحدة الوطنية، فضلا عن وضع حدّ للتدخل الخارجي في شؤون الجاليات المسلمة وبشكل خاص من تركيا.

ويهدف قانون الانفصالية إلى تنظيم تمويل أنشطة الجمعيات الدينية ووقف تلقي تمويلات أجنبية ومراقبة صارمة على أنشطة هذه الجمعيات. كما يجرم النص نشر الكراهية عبر الإنترنت.

وأُعد مشروع القانون بدفع من الرئيس ماكرون إثر الصدمة التي خلفتها سلسلة اعتداءات جهادية، بدءا من الهجوم على أسبوعية شارلي إيبدو الساخرة في يناير 2015 وصولا إلى قطع رأس الأستاذ صامويل باتي في أكتوبر الماضي.

وتريد السلطات من وراء النص وضع آليات جديدة لتمويل أنشطة الطوائف الدينية وحثها على وقف تلقي تمويلات أجنبية. ويضع مشروع القانون رقابة صارمة على أنشطة الجمعيات الدينية والثقافية، كما يكرس مبدأ الحياد الديني لموظفي القطاع العام. ويهدف ذلك خاصة إلى منع تسرب أشخاص يُعتبرون متطرفين إلى أجهزة الدولة ومكافحة الإسلام المتطرف.

وقال وزير الداخليّة جيرالد دارمانان خلال افتتاح النقاشات في الجمعيّة الوطنيّة إنّ “بلدنا يعاني من نزعات انعزالية، أوّلها التطرّف الإسلاميّ الذي ينخر وحدتنا الوطنيّة”.

واعتبر دارمانان أنّ مشروع القانون “يطرح استجابات ملموسة للانعزال المرتكز على الهوية ولانتشار التطرف الإسلامي الذي يمثّل أيديولوجيا معادية للمبادئ والقيم المؤسّسة للجمهوريّة”.

وغالبا ما يشهد النقاش حول العلمانية ومكانة الإسلام في فرنسا جدلا حول وضع الحجاب والمواقيت المحددة للنساء في بعض أحواض السباحة أو مراجعة بعض البرامج المدرسية، فيما زاد عدد المسلمين في فرنسا بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية ليصل إلى 9 في المئة من السكان تقريبا.

جيرالد دارمانان: القانون يطرح استجابة ملموسة لانتشار التطرف الإسلامي
جيرالد دارمانان: القانون يطرح استجابة ملموسة لانتشار التطرف الإسلامي

وتحاول باريس التأسيس لإسلام فرنسي من خلال منع سيطرة جماعات متطرفة على الخطاب الديني حيث شملت الإجراءات التي أقرتها السلطات الفرنسية في هذا السياق الإشراف على المؤسسات التعليمية الدينية وإغلاق المؤسسات والجمعيات المتطرفة وطرد الأئمة الأجانب الذين يحرّضون على العنف والمواطنين مزدوجي الجنسية المتورطين في أنشطة إرهابية وتشديد المراقبة على الشبكات الاجتماعية.

ومنذ سنوات، تبحث الحكومات الفرنسية المُتعاقبة عن آليات لتأهيل مُتخصصين في الإسلام المُعتدل بفرنسا، مع ضمان تلبيتهم لمُتطلبات الاندماج في المُجتمع الفرنسي، مثل إتقان اللغة الفرنسية والحرص على التنوع الثقافي واحترام تراث وتاريخ وقانون البلاد والحفاظ على مبادئ وقيم الجمهورية والعلمانية.

وكانت فرنسا قد أوقفت برنامجا لاستجلاب الأئمة من تركيا، أكدت أجهزة الاستخبارات الفرنسية أنهم يشكلون عصب دعم الانعزالية وانفصال الجاليات المسلمة عن مجتمعاتهم المحلية ومبادئ الجمهورية.

وفي 2010 وقعت كل من تركيا وفرنسا “إعلان نوايا” بخصوص وضع الموظفين الدينيين الأتراك، والذي تم بموجبه رفع عدد الموظفين من 121 إلى 151 موظفا، لكن باريس تراجعت في 2019 عن هذا الإعلان بتخفيض عدد الأئمة الأتراك بدل الترفيع في حصص انتدابهم.

ويقول خبراء فرنسيون إن قرار فرض قيود على إيفاد أئمة من تركيا يهدف إلى القضاء على خطر الانعزالية وهي خطوة مهمة ضمن خطة شاملة لمحاصرة أنشطة جماعات الإسلام السياسي.

وفي وقت سابق حذّرت الاستخبارات الفرنسية في تقرير قدمته للرئيس ماكرون من تحوّل السفارة التركية في باريس إلى وكر مخابراتي لحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي نجح في تأسيس شبكة نفوذ ضخمة في الدول الأوروبية عبر 650 منظمة دينية ومجتمعية، غالبيتها تعمل على الأراضي الفرنسية.

ونبّهت صحيفة “لوجورنال دو ديمانش” واسعة الانتشار إلى تصاعد النفوذ التركي في المجتمع الفرنسي على نحو خطير، حيث تبسط أنقرة نفوذها بقوة على الجالية التركية بأساليب تجمع ما بين الترغيب والترهيب.

وتعتبر مؤسسة “ديتيب” المرتبطة باتحاد الشؤون الدينية التركية الإسلامية وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا من أهم المؤسسات الفاعلة في فرنسا، حيث تضم لجنة التنسيق للمسلمين الأتراك في فرنسا.

وتُموّل الحكومة التركية المدارس التابعة لمؤسسة ديتيب، حيث يعمل في تلك المدارس أساتذة أتراك أوفدهم حزب العدالة والتنمية حتى لا تتم الاستعانة بمن هم مقيمون في فرنسا تخوّفا من نجاح اندماجهم في المجتمع الفرنسي والتزامهم بمبادئ الجمهورية بما يمنع تكييفهم وفق سياسات الحكومة التركية، وبالتالي إمكانية تجنيدهم كجواسيس بالتنسيق مع سفارة بلادهم في باريس.

ووفق الاستخبارات الفرنسية، فإنّ بعض الأئمة الذين صدّرتهم أنقرة يعملون على تشويه صورة فرنسا لدى أبناء الجالية التركية، كما أنّ بعض رجال الدين من أصل تركي يحرصون على تلقين الأطفال الصغار في المساجد الفرنسية أنّ رئيسهم هو رجب طيب أردوغان وليس ماكرون.

5