من السيلفي إلى الكيكة.. حفلات الطلاق تؤسس لثقافة الانفصال في المجتمعات العربية

الاحتفال بالطلاق دليل على الاستخفاف بمنظومة الأسرة.
الاثنين 2021/02/22
قرار الزوجين الانفصال يجب أن لا ينسيهما قدسية الزواج

لم يعد الانفصال بين الزوجين حدثا محزنا يعلن عن نهاية حياة أسرية بل أصبح لدى البعض من الأزواج مدعاة للفرح والابتهاج تقام بشأنه الاحتفالات وتجهز له قوالب الحلوى ويتم خلاله توزيع الهدايا ولمَ لا تشترى له الخواتم. هذا التقليد بدأ يتسلل إلى المجتمعات العربية كتأسيس لثقافة الانفصال ما يدل على الاستخفاف بمنظومة الأسرة.

تسربت تقاليد الاحتفال بالطلاق شيئا فشيئا إلى المجتمعات الشرقية ولم يعد هذا الفعل أبغض الحلال عند الله، بل أصبحت تقام له الحفلات وتحجز له المطاعم وتجهز له قوالب الحلوى، ويُحتفل به في أجواء صاخبة تماما مثل ما يتم في أعياد الميلاد أو إثر الحصول على الشهادات الجامعية.

وفي شهر مارس من العام الماضي نشرت الممثلة التونسية لمياء العمري صورة عبر حسابها الشخصي على فيسبوك أعلنت من خلالها عن طلاقها.

وتمثلت الصورة التي شاركت من خلالها العمري جمهورها عبر فيسبوك في قالب حلوى يبدو أنها أعدته بنفسها لتعلن به عن طلاقها حيث كتبت “مطلقة.. أشعر براحة كبيرة الحمد لله”.

وبعدها بشهرين أصبحت فداء، الفتاة الفلسطينية من قطاع غزة، حديث مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن نشرت صورا لحفلة طلاق أقامتها للتعبير عن فرحتها الغامرة بالانفصال عن طليقها.

وانتشرت خلال الآونة الأخيرة بين الفتيات في العالم العربي حفلات الطلاق، حيث أصبحن يحولن الطلاق -وهو نهاية العِشرة- إلى سعادة والفشل إلى فرحة عارمة.

وبمجرد وقوع خلاف ما داخل نطاق الأسرة -وقد يكون خلافا بسيطا- يعمد الزوجان إلى تضخيمه، وذلك لقلة وعي أحدهما أو كليهما بمسؤولية الزواج وما يعنيه من مودة ورحمة، ويبدأ الزوجان الفاشلان بنشر ثقافة سلبية للتفكك في المجتمع والشكوى من أتفه الأسباب إلى أن يصلا إلى الطلاق ثم في النهاية إلى إقامة الحفلات.

وفيما يحتج بعض رجال الدين والباحثين الاجتماعيين على هذه الظاهرة تلقى هذه الاحتفالات تأييدا وقبولا لدى بعض السيدات العربيات اللواتي يعبرن بهذه الطريقة عن رفضهن لفشل حياتهن الزوجية والسعي للتحرر من سيطرة الزوج.

ويشير خبراء علم الاجتماع إلى أن حفلات الطلاق ظاهرة جديدة على المجتمعات العربية، وربما صارت تنتشر اقتداء بالنماذج الغربية، مؤكدين على أن حفلة الطلاق تنتج عن المعاناة التي عاشتها السيدة أثناء حياتها الزوجية وما تعرضت له من الإساءة البدنية والنفسية.

الزوجان يبدآن بنشر ثقافة سلبية للتفكك في المجتمع والشكوى من أتفه الأسباب فيصلا إلى الطلاق ثم إلى إقامة الحفلات

ويعتبر علماء النفس أن الطلاق قد يصبح رحمة بالنسبة إلى الذين تحولت حياتهم الزوجية إلى جحيم جراء سوء التفاهم وسيل المشاكل اليومية التي قد تضر بعلاقة الزوجين.

وقال المختص في علم النفس التونسي أحمد الأبيض إن “الاحتفال بالطلاق إن حصل يدل على أن الشخص الذي قام بالفعل فشل في علاقته الزوجية وكان متأذيا منها، وعلى أن الطرف المحتفي كان متضررا متألما وحاسما في موقفه من الطرف الثاني”.

وأضاف لـ”العرب” أن “المرأة في حالة الطلاق تعتد ثلاثة أشهر أما في حالة الخلع فقد تعتد شهرا أو لا تعتد، وإن وصلت إلى الخلع فيعني ذلك أنها قطعت كل أواصر التواصل مع الآخر، ما يعني أن احتفالها يمكن أن يكون علامة على أنها سعيدة بانتهاء علاقة أنهكتها”.

وتقول فتون غازي الاختصاصية الاجتماعية الإماراتية إن “بعض الرجال لا يعترفون بالزواج والمودة والرحمة ويتعمدون الإساءة إلى الزوجة وظلمها والاندفاع في الغضب وعدم تحمل المسؤولية، ويحطّون من شأنها كما يعنفونها بكل السبل لإذلالها وتعذيبها.

وهناك من طلقت وهي مظلومة أو ندمت بعد طلاقها ولا تريد تذكر يوم طلاقها الذي يذكرها باللقب العالق في أذهان محيطها الاجتماعي، فمن حق أي طرف أن يسعد بطلاقه بعد علاقة قاسية مر بها، لكن هذا لا يعني إقامة حفلة”.

بدورها أكدت  الدكتورة ياسمين الخالدي المستشارة الأسرية والتربوية والنفسية أن “حفلات الطلاق تتنافى مع العادات والتقاليد الإسلامية والعربية”.

وقالت الخالدي “إذا بحثنا عن سبب هذه السلوكيات الغريبة من قبل بعض النساء نجدها مشاعر نفسية متراكمة تكتنز الرغبة في الانتقام من السنوات التي عشنها خلال حياة زوجية فاشلة وتعبيرا نفسيا متناقضا، وعوضا عن الانكسار النفسي يحاولن أن يخرجن من أوضاعهن بهذا السلوك”.

وأضافت أن “الطلاق يعتبر أبغض الحلال لذلك فإن الاحتفال مرفوض وهو أمر مخالف ويتناقض مع ما جاء به الشرع، وربما تحس معظم السيدات ممن يقمن بالاحتفال بالندم على هذا الانتصار الزائف وتحس السيدات بأهمية قدسية الزواج وخسارة أكبر في حال وجود أبناء”.

ويرى علماء الاجتماع أنه لا يمكن اعتبار حفلة الطلاق خروجاً بالمعروف لأنه يغلب عليها الانتقام من الزوج المطلّق، وأشاروا إلى أن من تقيم مثل هذه الحفلة تحب زوجها لذلك تلجأ إلى هذه المكيدة حتى تثبت له أنها سعيدة بهذا الطلاق.

وينصح مستشارو العلاقات الأسرية الرجال بمراعاة مشاعر زوجاتهم وحقوقهن، مشيرين إلى أن بعض الأزواج يظنون أن كل مسؤوليتهم تجاه زوجاتهم وأسرهم هي توفير متطلبات الحياة من مأكل ومشرب وملبس فقط، دون أدنى اهتمام بالحاجات المعنوية والنفسية للزوجة والأبناء.

Thumbnail

ويرى الدكتور شافع النيادي مستشار العلاقات الأسرية الإماراتي أن الزواج يعد أهم علاقة ينشئها الإنسان في حياته لما له من قدسية تجعله فريداً بين سائر العقود الأخرى، إذ تترتب علیه آثار خطیرة لا تقتصر على الرجل والمرأة ولا على الأسرة التي توجد بوجوده بل تمتد إلى المجتمع.

وتساءل النيادي كيف تحتفل الزوجات بما قيل عنه إنه أبغض الحلال عند الله؟ مؤكدا أن ذلك سلوك يكشف عن مدى الغزو الفكري الذي اجتاح عقول النساء إلى درجة أنهنّ صرن يقلدن دون إدراك، ويستخففن بمنظومة الأسرة حتى وإن كان أحد أطرافها سعيدًا بمثل هذه النهاية.

ويقول اختصاصيو علم الاجتماع إن “الاحتفال بالطلاق استهانة بقيمة الزواج وعدم احترام للعلاقة الزوجية والرباط الأسري”، ويرون أنه من غير المنطقي  إصدار شهادة وفاة الحياة الزوجية في حفل بهيج يدعى إليه الناس، ونبهوا إلى ضرورة الوعي بخطورة هذه التصرفات حتى وإن كانت فردية.

وتقول سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس المصرية “صحيح أن الطلاق حلال، ولكن الله يبغضه، فلا يجوز لنا أن نفرح به ونقيم له الاحتفالات”.

واعتبرت خضر هذا الاحتفال “أشبه بمن يحتفل بعدم لياقته للخدمة العسكرية، فبدلا من أن يحزن ويخجل لأنه غير مؤهل لهذا الشرف يحتفل بذلك، ونفس الأمر ينطبق على هؤلاء السيدات، فالطبيعي أن يحزنّ لفشل تجربتهن مع الزواج، لا أن يقمن له الاحتفالات”.

ويرى عالم الأزهر الشيخ أحمد تركي أن “هذا الاحتفال غير مقبول شرعا، لأنه يتنافى مع مقاصد التشريع الإسلامي في فرض شهور للعدة لا يجوز للمطلقة الزواج خلالها، فالهدف من هذه الشهور أن تشعر الزوجة بالندم لفراق الزوج وانقطاع الصلة، فيكون ذلك مبررا لعودة العلاقة الزوجية، ولكن هذا الاحتفال هو أشبه بمن يخرج لسانه للآخر ليغيظه، وهذا غير مقبول شرعا”.

ويبدو أن موضة الاحتفال بالطلاق التي أصبحت تسيطر على بعض الأشخاص في المجتمعات الشرقية قد تسللت من المجتمعات الغربية، حيث أصبحت مثل هذه الاحتفالات تكسب شعبية. ففي أميركا على سبيل المثال يودع بعض النساء والرجال زيجاتهم الفاشلة بطريقة فكاهية وعلنية، حيث يسعى البعض إلى الاقتداء بالمشاهير الذين يحتفلون بطلاقهم مع تسليط الضوء على الفعالية من قبل وسائل الإعلام.

وفي نيويورك تستفيد الشركات الخاصة بتنظيم حفلات الطلاق من الإقبال المكثف على هذه المناسبات من قبل الزبائن.

وتقام حفلات الطلاق الصاخبة في مطاعم أو نواد ليلية فخمة تصحبها حفلات غنائية وتقديم الهدايا للمطلقين وطلب كعكة خاصة بالمناسبة وحتى إهداء المطلقين “خواتم الطلاق”. وأحيانا تصبح نفقات تنظيم حفل الطلاق تساوي مصروفات حفل الزفاف.

وقال مسؤول في إحدى هذه الشركات إن الطلاق “حدث لا يقل أهمية عن المناسبات الأخرى مثل الزفاف أو عيد الميلاد أو الحصول على شهادة جامعية”، وأضاف أنهم يمنحون تخفيضات للزبائن الدائمين.

21