من سندريلا إلى سمبا.. بحثا عن جذور

الحكاية قد تنسى في ثقافتها الأصلية وتشهد رواجا في ثقافة أخرى تملك منصات إعلامية وقدرات إنتاجية وتسويقية أكبر.
الأربعاء 2019/08/28
شكسبير اقتبس أهم مسرحياته

بعنوان “الأمير الدنماركي والشبل الأفريقي” قدم حكيم مرزوقي قراءة شائقة وعميقة لفيلم “الأسد الملك”، في صحيفة “العرب”، 3 أغسطس 2019، وأحال الفيلم إلى مسرحية “هاملت” لوليام شكسبير.. بناء ورؤية وحوارا. فبطلا الفيلم والمسرحية (سمبا وهاملت) كلاهما وليّ للعهد، أمير في المنفى، بعد نجاح العم في قتل الأب. ثم يتمكنان من العودة إلى المملكة، والانتقام من العم القاتل.

هذا الربط ذو شجون، ويفتح بابا ربما لا يغلق إلا بعد استيفاء حالات وإحالات أخرى، أثّرت بها ثقافة في أخرى وأثْرتها، مباشرة أو عبر وسيط ثقافي أو عدة وسائط في أكثر من عصر. ومن سوء حظ أي ثقافة يرجع إليها أصل حكاية ما، أن تكون محدودة الأثر والتأثير، فتُنسى الجذور، وتنسب الثمرة إلى من يملك منصات إعلامية وقدرات طاغية على إنتاج وتسويق ثقافة ثقيلة، ثم تصبح إثارة التشابهات مع أصل في ثقافة أخرى نوعا من الرثاء.

في مقدمة ترجمته لمسرحية “هاملت”، عام 1971، استعرض الدكتور عبدالقادر القط “المصادر التاريخية التي استقى منها شكسبير مادة مسرحيته”، ولم يستبعد استقاءها من أساطير قديمة، أو استنادها إلى حقائق تاريخية. أول أصل مكتمل، يصلح أن يكون مصدرا لها، أورده الكاتب الدنماركي ساكسو، حين ألف باللاتينية في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي كتاب “تاريخ الدنمارك”، ولم يطبع إلا عام 1514.

وجاء فيه أن والد أمليث كان يحكم جوتلاند، وتزوج جيروثا ابنة ملك الدنمارك، واكتسب شهرة بعد أن قتل ملك النرويج في مبارزة، فما كان من أخيه فينج إلا أن قتله بدافع الغيرة، واغتصب عرشه وتزوج أرملته، وهكذا “توج جريمة القتل الشاذة بالزواج المحرّم”، وبدأ الفتى أمليث يخطط للثأر لأبيه، متصنعا الجنون الذي حيّر عمه، فدس عليه فاتنة يعرفها منذ الطفولة؛ لكي يطمئن إليها أمليث ويصرح لها بما يضمر. كما دفع إليه صديقا ليسترق ما يدور بين الفتى وأمه، فاكتشف أمليث حيلته وقتله، واتهم أمّه بالفجور ومعاشرة قاتل زوجها. ويرسل الملك أمليث إلى إنكلترا، ثم يعود ويقتله. ورجّح القط أن يكون شكسبير “قد انتفع حقا” بترجمة الإنكليزية لكتاب “قصص تراجيدية” المأخوذ عن ساكسو، وقد ترجمه إلى الفرنسية بلفورست، وصدر في باريس عام 1582، وترجم إلى الإنكليزية عام 1608.

تتخفف الأفلام أحيانا من ثقل أساطيرها، فتصبح بذكاء المعالجة، وتكرار العرض، أكثر إبهارا من الأصل

ولكن الدكتورة مرفت عبدالناصر، الطبيبة المهمومة ميدانيا وبحثيا بمصر القديمة ولها موسوعة ودراسات في هذا الشأن، تعيد “هاملت” إلى أصل أقدم من قصة ساكسو، على الرغم من التشابه الشديد إلى درجة التطابق بين ساكسو وشكسبير، وقد لا يكون الاختلاف إلا في البراعة الشعرية والعمق الدرامي لشكسبير. وفي كتابها “لماذا فقد حورس عينه؟ قراءة جديدة في الفكر المصري” الصادر عام 2005 تعيد قراءة أسطورة حورس، وقد دبر عمه ست مكيدة وتمكن من قتل أبيه أوزير. ويكبر حورس ويخوض معركة تنتهي بقتل عمه، ويرسي مبادئ العدل والسلام في مصر. وترى أن هناك تشابها فلسفيا بين مسرحية “هاملت” والأسطورة المصرية التي تحولت في “معالجة عصرية لتلك الأسطورة في أدق تفاصيلها” إلى فيلم “الأسد الملك”، وقد أنتج عام 1994، وتراه مرفت عبدالناصر “من أجمل روائع ديزني”، وإن لم ينوه الفيلم “بالطبع” بأصله المصري.

في الفترات الأخيرة أيضا يثار شبه بين قصة سندريلا وأصل مصري تجسده قصة “رادوبي”، التي تصبح “رادوبيس” بعد أن يلحق في نهاية اسمها “يس” بالنطق الإغريقي لأسماء الأعلام. ولم أطلع على أصل القصة التي يقال إنها محفوظة في المتحف البريطاني، منذ عام 1928، ضمن مجموعة برديات “شستر بيتي”، وإن تلك القصة ترجع إلى بدايات الدولة القديمة في التاريخ المصري، وذكرها هيرودوت وغيره من كتاب الإغريق القدماء، وترجمت عنهم إلى الإنكليزية في كتاب “قصص الفراعنة عبر العصور”.

في المعالجة الأوبرالية الأوروبية، وفي الفيلم الكارتوني أيضا، تعيش سندريلا يتيمة الأم مع زوجة أب قاسية تعتبرها خادمة، ثم تأتي مصادفة فقدان فردة الحذاء سببا في لقائها مع الأمير. وفي الأصل المصري تفاصيل ودلالات تسمو على الرغبة في الانتقام. وكانت الأم قبل وفاتها قد تركت لابنتها رادوبي صندوقين، في أحدهما حليّ، وفي الآخر حذاء فضي. وتسرق زوجة الأب الصندوق الأول، فتستعين رادوبي بجنية القصر على حفر حفرة؛ لإخفاء صندوق الحذاء، إلى أن يأتي حفل الأمير، فتأخذ الأم ابنتيها، وتهمل رادوبي، التي تخرج صندوق الحذاء، وحين كانت تلبس إحدى فردتيه يهبط صقر ويخطف الثانية، ويطير بها حتى تسقط أمام الأمير. وتتشابه أحداث القصتين، إلا في نهاية الأصل الذي تطلب فيه رادوبي إلى الأمير ألا تفصح عن معاملة زوجة أبيها لها. ويرسل من يشتري لها هدية الزواج، فتفاجأ وتقول بعفوية “هذا حليّ أمي”، ثم ترفض أن تفصح للأمير عن سرقة زوجة أبيها للحلي، وبيعه للصائغ. ويحترم الأمير رغبتها في الكتمان، ولكن الجواهرجي يكشف ويدلهم على من باعت له الحليّ، ويأمر الأمير بعقابها على السرقة، فترجوه رادوبي أن يعفو عنها.

تتخفف الأفلام أحيانا من ثقل أساطيرها، فتصبح بذكاء المعالجة، وتكرار العرض، أكثر إبهارا من الأصل.

14