"موت أبيض" رواية سعودية عن مجتمع ولد ميتا

المثقف المحبط يستدعي عوالم مكسوة بالسواد والألم في صورة تنطلق من الواقعية لكنها تجمع التاريخ والفانتازيا الساخرة.
الاثنين 2019/08/05
مثقفون محكومون بالسواد

يعود الروائي السعودي مظاهر اللاجامي في عمله الأخير المختلف برواية “موت أبيض”، الصادرة عن دار عرب بلندن مؤخرا، بأدوات روائية أكثر احترافية وتكثيفا، حيث تتقمّص الرواية ثلاث سرديات داخل نسيج الفضاء الروائي الواحد، دون أن يكون هنالك سارد مركزي أو حدث مركزي، واضعا التاريخ القديم والواقع الاجتماعي الحديث في رؤية معاصرة عبر سرد أحداث لها علاقتها بالمحيط المحلي، وذلك ضمن إطار علاقة جارفة بين حبيبين يمثلان طبقتين اجتماعيتين مختلفتين.

“يونس المهدي” ينحدر من عائلة قروية فقيرة تسكن العوامية كان جده الفلاح يعمل في أراضي جدّ حبيبته سلمى العبدالعلي ابنة العائلة الإقطاعية الثرية. عبر هذا الإطار الاجتماعي التاريخي يفكك اللاجامي الأنساق ويسخر من الوقائع ويعلي من قيمة الحمولة الهامشية في متن التاريخ القديم والجديد.

ارتباك بين الحقيقي والخيالي
ارتباك بين الحقيقي والخيالي

يظهر الروائي الحقيقي مظاهر اللاجامي مراقبا للأحداث ومقننا لهندستها، بينما يتجلّى مظاهر الراوي ساردا ومعلقا على تفاصيل رواية لروائي آخر يدعى يونس المهدي، ليقنع القارئ بأنه مجرد ناقل محايد للأحداث التي تدور بين قرية العوامية ومدينة القطيف شرق السعودية التي شهدت أحداث شغب بين مطلوبين أمنيين وقوات الأمن السعودي على خلفية الربيع العربي. غير أنه، وبشكل متعمّد، يوقف التتابع السردي المتدفّق، بين فينة وأخرى، بإرادة واعية وقوية للانتباه للهامش، حيث الإحالات التي وثقها مظاهر الرواي بعناية شديدة، تحرص على ألا يفلت من قبضة القارئ أي تفصيل بسيط حتى ولو كان هامشيا أو عاديا أو عابرا.

تتضح هذه العناية المقصودة بشكل جلي حين يقترح الراوي على القارئ في المقدمة التي أسماها “مقدمة شخصية جدا” أن يضع مؤشرا “بوك مارك” ليسهل عليه الوصول للقائمة بعد نهاية نص المخطوطة، الأمر الذي يستدعي يقظة كبيرة، ووعيا مضاعفا لسببين؛ الأول يعود لانقطاعات تسلسل السرد بين حين وآخر محيلا للهامش، والثاني لموسوعية الهامش، وعمقه الهائل، الذي يتقدم مع القارئ وكأنه رواية موازية للرواية الأصلية، فقد جاءت الرواية بالكامل في 332 صفحة من القطع الوسط، احتلت الرواية منها 256 صفحة، بينما كانت الأربعون صفحة من نصيب الهامش والإحالات والمفاتيح الدلالية.

في رواية “موت أبيض” يبتكر الراوي الذي يروي (اللاجامي) روايته بطلا تخييليا أراد من خلاله أن يعبّر عن أفكاره وهواجسه وسخطه وحقده الطبقي وقراءاته الساخرة للتاريخ، فيستدعيه داخل روايته الداخلية التي حملت عنوانا فرعيا “لوكيميا” أو اعترافات رجل ميت، ليجري على لسانه ما يشكّل معادلا وجوديا لإحباطاته وانكسارات حلمه في الواقع، إنه استدعاء المثقف المحبط لعوالم مكسوّة بالسواد وبالبؤس وبالألم في صورة تنطلق من الواقعية لكنها تجمع التاريخ والفانتازيا الساخرة.

تتكئ الرواية على مسارين روائيين؛ أحدهما يسير بشكل أفقي راسما معالم شخوصه وفضاءات منطقته السردية، والآخر يسير بصورة عمودية، يحيلك الراوي إليه بين هامش وآخر، في مهمة مقصودة لتدفّق سيل الوعي المتواصل بحسب توصيف وليام جيمس، لتذكير القارئ باستمرار بأن ما بين يديه ما هي إلا مخطوطة اسمها “لوكيميا” داخل رواية “موت أبيض”.

تمثّل رواية “لوكيميا”، كما يعبّر عنها مظاهر الراوي، خاتمة وجودية على مستوى الفرد الذي كتبها في أوراق متفرقة تنحو للتفكك، وتسقط في الهذيان. يقول مظاهر الراوي “الرواية عبارة عن هذيان متصل لمجنون فقد عقله، إن كان ولد بعقل أصلا”. هذا الهذيان سيذكرنا بسقوط ألبير كامو، وبغثيان جون بول سارتر، وبتهويمات حمامة باتريك زوسكيند، وببحث جبرا إبراهيم جبرا عن وليد مسعود، حيث التداعيات التحليلية للتفاصيل الهامشية التي هي في الأصل تعبّر عن وجود المتن الكامل.

اللاجامي كأنه يريد أن يهيئ القارئ لفضاء روائي غير حقيقي، لكنه حقيقي في الوقت نفسه
اللاجامي كأنه يريد أن يهيئ القارئ لفضاء روائي غير حقيقي، لكنه حقيقي في الوقت نفسه

أراد اللاجامي أن يعزز من الارتباك بين الحقيقي والخيالي، وكأنه يريد أن يهيئ القارئ لفضاء روائي غير حقيقي، لكنه حقيقي في الوقت نفسه.

هذه الشخصية المركبة الساخطة تذكرنا بشخصيات اللاجامي الروائية في رواياته السابقة، فشخصيات اللاجامي الروائية ذات طابع ثوري ساخط، تشعر وأنت في عوالمها بأنك مأزوم مع تفاصيلها اليومية، بكل حواملها الاجتماعية والفلسفية التي تقف على بعد واحد بين التصوّف والإلحاد، منذ روايته الأولى “بين علامتي تنصيص” التي ظن بطلها أن خلاصه في الكتابة، مرورا بـ“سبحان” في روايته الثانية “الدكة” ومحاولتها الانتحار بعد تجربة السجن السياسي، وانتهاء بـ“وحيد” في روايته الثالثة “عازف الغيتار العجوز” الذي أدرك منذ البدء أن لا سبيل لخلاصه فاتّخذ من العزف على الغيتار محاولة لمراوغة الإحباط على مستوى الذات والواقع.

مع جميع شخصيات اللاجامي الروائية سنواجه أبطالا مثقفين، ليسوا محكومين بالأمل، بقدر محكوميتهم بالعدمية.

اللاجامي لا يقترح حلولا، فالمفارقات السردية في عوالمه تفترض مثقفا مسيّجا بالدوغمائية التي استطاعت بجدرانها الخانقة أن تضيق حتى على من اعتبرناه تنويريا.

14