موصليون يغادرون مدينة المكتبات بحثا عن الزاد المعرفي

المدينة العراقية تحاول استعادة مكانتها قبلة للدارسين والباحثين من مختلف أنحاء الوطن العربي.
الخميس 2019/05/16
أنقذوا ما يمكن إنقاذه من الكتب

لأن المتطرفين لا يعرفون سبيلا إلى العلم والمعرفة فإن الكتب كانت تخيفهم لأنها تفضح اللغو الذي كانوا يبررون به وحشيتهم؛ فقد كانوا يحرقون ما يعثرون عليه منها ثم صاروا يبيعونه لتمويل حربهم، وبعد دحرهم من الموصل يحاول سكان المدينة التي عرفت منذ قديم الزمان بأنها مركز العلم والمعرفة استعادة مكانتها ومكتباتها ليعود إليها أبناؤها من الطلبة والباحثين الذين صاروا اليوم يغادرونها لمواصلة بحوثهم ودراساتهم.

 الموصل (العراق) - في كل مرة تحاول رؤى إحسان البحث عن كتب تستعين بها في دراساتها العليا في علوم الأغذية، تجد صعوبة متزايدة في العثور على مراجع في الموصل التي دفعت ثمن حرب مدمرة ضد جهاديين أحرقوا ودمروا مكتبات ومراكز للقراءة والتعليم.

في المدينة التي عُرفت على مدى قرون بفنانيها وكتابها ومكتباتها الزاخرة بمؤلفات بلغات مختلفة، كانت قراءة الكتب التي لا تلبي توجهات التنظيم المتطرف ممنوعة خلال سيطرة الجهاديين على المنطقة، وتتسبّب لأصحابها في شتى أنواع العقاب.

تقول رؤى بحسرة “بعض الكتب لم يتم ترقيمها وفقدت إلى الأبد”، إذ تعرضت للحرق أو للدمار الذي خلفته المعارك.

ويواجه الطلبة والباحثون، بعد مرور قرابة عامين على استعادة السيطرة على المدينة من قبضة الجهاديين، “صعوبة بالغة في إكمال الأبحاث بسبب قلة المصادر”، بحسب ما يشير إليه طالب الدكتوراه في التاريخ عبدالحميد محمد.

يقول محمد (34 عاما) “بعد تحرير الموصل، يواجه الباحث صعوبة بالغة في إكمال بحثه بسبب قلة المصادر، وعليه الاعتماد على علاقاته الشخصية، أو الإنترنت في الحصول على بعضها”.

وحين يصعب الحصول على مراجع في الموصل، لا يتوانى أهل المدينة عن مغادرتها بحثا عن مراجع؛ فقد توجّه واثق محمود (33 عاما) -بهدف إكمال بحوثه في الهندسة المدنية- إلى بغداد التي تبعد أكثر من 400 كيلومتر جنوب الموصل، وأحيانا إلى مدينة البصرة التي تقع على بعد ألف كيلومتر، للحصول على مراجع.

ويؤكد محمود أنه قبل دخول الجهاديين إلى المنطقة في عام 2014 “كانت جميع المصادر التي يحتاج إليها الطالب متوفرة في الموصل”. ويضيف بمرارة “اليوم انعكست الآية تماما، فبعدما كانت الموصل قبلة الدارسين والباحثين من كل أنحاء العراق والوطن العربي، يضطر أبناؤها إلى مغادرتها طلبا للعلم والكتب والمصادر من خارجها”.

وكانت الموصل مشهورة بمكتبتها المركزية العامة التي تأسست سنة 1921 في منطقة الفيصلية، وكانت تضم مؤلفات وكتبا قيمة ونادرة ومخطوطات تراثية وأثرية.

وبين الكتب مؤلفات باللغة السريانية طبعت في أول مطبعة أنشئت في العراق خلال نهاية القرن التاسع عشر في إحدى كنائس الموصل بمنطقة الساعة في غرب المدينة.

كتب لا تموت
كتب لا تموت

كما كانت الموصل تفتخر بمكتبات حكومية كبيرة، ومكتبة الأوقاف، ومكتبة جامعة الموصل، والمئات من المكتبات العائدة للجوامع والكنائس، إلى جانب المكتبات الأهلية في شارع النجيفي المتخصص ببيع الكتب والمعروف بشارع الثقافة والمكتبات. لكن في فبراير 2015 أقدم تنظيم داعش على نهب مكتبة الموصل، ودمّر هذا التراث بشكل منهجي، رغم محاولات الأهالي إقناع الجهاديين بالعدول عن ذلك.

ويؤكد مختصون أن تنظيم الدولة الإسلامية جمع الكتب القيمة وقام ببيعها في السوق السوداء، بهدف تمويل جرائمه التي ترقى إلى “إبادة محتملة” في العراق وسوريا بحسب الأمم المتحدة.

بعد استعادة المدينة أطلقت عدة حملات لإعادة ملء رفوف المكتبة المركزية بكتب ومخطوطات، فكانت استجابة كبيرة من جهات حكومية وأهلية وجامعات وأفراد ومنظمات مدنية، وتمّ التبرع بكتب علمية وتاريخية وأدبية. كما استعيدت كتب كانت فقدت من المكتبة.

وساهمت مجموعة من المثقفين في إطلاق حملة دولية لتعويض مليون كتاب، وهي الكتب التي أحرقها تنظيم داعش في مكتبة جامعة الموصل التي تعدّ واحدة من أهم المكتبات في المنطقة.

وأخفى أمناء هذه المكتبة التي كانت مركز أبحاث يضم مخطوطات نادرة -بينها سجلات حكومية يعود تاريخها إلى العصر العثماني- النصوص الأكثر قيمة، وأُلقي بعشرين ألف كتاب في الطابق السفلي. وبعد تحرير شرق الموصل، تمكن موظفو المكتبة من إنقاذ ما استطاعوا إنقاذه من هذه الكتب وتكديسها على رفوف مؤقتة.

يقول معاون مدير المكتبة المركزية العامة جمال أحمد حسو، إن “أعداد الكتب بمختلف عناوينها بلغت 16338 كتابا قبل تعرض المكتبة للسرقة والتخريب، وتمت استعادة 11758 كتابا، بمعنى أن عدد الكتب المفقودة هو 4580 كتابا”.

وفي مكتبة الأوقاف التي كانت تضم كتبا دينية بصورة رئيسية، بقي حوالي 48 ألف كتاب من أل 58 ألفا.

ويذكر شامل لازم طه (41 عاما) -أمين المكتبة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى نحو مئة عام- أنه “كانت بين الكتب 4361 مخطوطة مهمة ونادرة، سرقها داعش كلها”، مشيرا إلى أن بين المخطوطات “‘المحيط البرهاني’ التي تعود إلى سنة 568 للهجرة”، وهي إحدى مؤلفات الشريعة الإسلامية.

ويلعب التضامن الأكاديمي العالمي اليوم دورا كبيرا في إنقاذ مكتبة جامعة الموصل، لكن استعادة المحتوى التوثيقي أمر بعيد المنال.

المكتبة المركزية العامة تأسست في العام 1921، كانت تضم مؤلفات وكتبا قيمة ونادرة ومخطوطات، منها مؤلفات باللغة  السريانية
المكتبة المركزية العامة تأسست في العام 1921، كانت تضم مؤلفات وكتبا قيمة ونادرة ومخطوطات، منها مؤلفات باللغة السريانية

يقول الدكتور في علوم الزراعة بجامعة الموصل محمد عبدالله، “الجامعة عازمة على إعادة بناء المكتبة وإرجاعها كما كانت مصدرا غنيا بالعلم والمعرفة. لدينا شراكات وعروض عديدة في هذا المجال”.

ويضيف أن “المكتبة فقدت أكثر من مليون كتاب في مجالات علمية وأكاديمية متنوعة، منها أكثر من 3500 مطبوعة قيمة، بينها مخطوطات ودوريات يبلغ عمرها 300 سنة، ونسخ من القرآن الكريم تعود للقرن التاسع، وهذه تعرضت للنهب والحرق”.

ويلفت أمين مكتبة جامعة الموصل عمر توفيق عبدالقادر (38 عاما) إلى أن الخسائر تبلغ “ما بين 90 إلى 95 في المئة من مجموع محتويات المكتبة”.

ويبين أنه “تم إنقاذ أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، فيما لا يزال أكثر من أربعة آلاف كتاب غير صالح تم الاحتفاظ بها في المخازن”.

ويشير عبدالقادر إلى أن منظمات وجامعات وهيئات من داخل العراق وخارجه قدّمت بعد الحرب ما يقارب مئة ألف كتاب هدية للمكتبة. وكان لأهالي الموصل دور في إنقاذ الإرث الثقافي.

فقد تمكن أبومحمد (33 عاما) -الذي يعمل مقاولا في معدات البناء- من إنقاذ عدد كبير من الكتب والمجلات الموجودة في المكتبة المركزية خلال حريق اندلع فيها سنة 2015، وخبأها في سرداب أحد البيوت القديمة المهجورة، قبل أن يعيدها مؤخرا إلى المكتبة.

يقول أبومحمد “انتشلت مع أحد الأصدقاء أكثر من 750 كتابا. حملناها في أكياس صغيرة عند احتراق المكتبة، رغم أن العملية كانت محفوفة بالمخاطر”.

والأهم من ذلك -حتى في العصر الرقمي- أن امتلاك الكتب المادية أمر في غاية الأهمية لأن الوصول إلى الإنترنت لا يزال متقطعا في عموم العراق.

بعض الكتب لم يتم ترقيمها وفقدت إلى الأبد
بعض الكتب لم يتم ترقيمها وفقدت إلى الأبد

 

20