موقف أردوغان حيال إبادة الأرمن التزام قومي

كثيرون من جماعات الإسلام السياسي يتبنون موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في موضوع إبادة الأرمن.
السبت 2019/11/09
أتاتورك غير مبال بتقرب أردوغان

يتبنى كثيرون من جماعات الإسلام السياسي، موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في موضوع إبادة الأرمن، لأن وجهتهم العامة هي امتداح أردوغان في أي موقف، دون تمحيصه بمنطق التاريخ السياسي الأيديولوجيا نفسها.

في هذا السياق، تحدثوا مؤخرا عن “مأثرة أخرى” للرئيس التركي”، الذي أسقط في الكونغرس الأميركي أكذوبة إبادة الأرمن”. فما تعرض له الأرمن، لاسيما في العام 1915، هو محض أكذوبة عند محبي أردوغان، وربما لا يجرؤ أردوغان نفسه على استخدام هذا الوصف.

النكران مهمة الموالين وليست مهمة الولي، الذي لن يتحرّج في هذا المثال من التغاضي عن سلسلة من المذابح والحرق الجماعي والاغتصاب والتهجير القسري بلا طعام وعمليات إغراق في البحر لجموع من الأرمن. وكأن هذه الحقيقة، ليست ذات قرائن من الصور الفوتوغرافية والبحوث والآثار المادية والمعاهدات والتحقيقات والمحاكمات وتقارير المراسلين المعايشين و”معاهدة سيفر” الدولية وروايات الشهود. وكأن المسؤولين الأتراك أنفسهم عن قتل الأرمن، لم يعترفوا بما فعلوا، وإن كانوا التزموا طوال أكثر من القرن، بالتشكيك في جزئيات ما حدث، بهدف تحاشي دفع التعويضات.

لكن العجب العُجاب في موقف هذا الفريق من الإسلاميين أن الغالبية العظمى من المذابح الممنهجة، كانت قد وقعت بأيدي الذين انقلبوا على السلطان، من الملاحدة وحلفاء الصهيونية، بدءا من مذبحة “أضنة” في العام 1909؛ أي بعد إطاحة السلطان عبدالحميد بسنة واحدة، في حين كان السلاطين يسمون الأرمن “الملة المخلصة”.

ليس من العجب أن رجب طيب أردوغان ظل حتى الآن، وبعد أن نجح في التمكين لسلطته، يحتفظ بصورة كمال أتاتورك

هنا يطرح السؤال، ما هي مصلحة أردوغان في الدفاع عن جرائم اقترفها معادون للحكم الإسلامي أذلوا السلطان عبدالحميد وشكلوا فرق موت للإجهاز على الأقليات؟ الجواب جاء قديما في مجلة “دير شبيغل” الألمانية، التي التقت في العام 1915 ناشر مجلة “أرمين” التركية الصادرة من إسطنبول، وحاولت من خلاله إيجاد تفسير لظاهرة دفاع التركي العلماني عن سلوك التركي الإسلامي في عهود حكم السلاطين، والعكس صحيح.

الناشر التركي قال حينها، “في الواقع، لم تتخل النخبة البيروقراطية التركية الجديدة عن التقاليد العثمانية فالأتراك لا ينسون آباءهم، ويسعون إلى الدفاع عن شرفهم، وهذا التقليد يغرس الشعور بالهوية لدى أجيالهم، من خلال النظام المدرسي والتربوي”.

لذلك، فإن أردوغان يحاول الدفاع عن تركيا كيفما كان حكمها، بمعنى أنه غير معني بفضح أفاعيل مؤسسي الدولة العلمانية، بل على العكس، هو معني بالدفاع عنهم من منطلق وطني، وهذا موقف لا يفهمه قطاع عريض من الإسلاميين، الذين يتخطون الولاءات القومية، واهمين أن فكرة “الأمة الإسلامية” يمكن أن ترجح لدى المسلم الإندونيسي، على شواغله المتعلقة بأوضاع بلاده وأهدافها ومصالحها، حتى ولو كانت بلاده تجاور بلدا آخر لمسلمين آخرين

الأكراد كالأرمن
الأكراد كالأرمن

إنكار أردوغان لعمليات إبادة الأرمن، يشبه إنكار إسلاميين عرب لمحرقة اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وكأن للعرب والمسلمين مصلحة في إنكارها، أو كأن العرب والمسلمين هم الذين أحرقوهم. فأردوغان نفسه، اللاعب المراوغ، زار المحرقة في إسرائيل حاملا إكليل ورد، وكان في ذلك أذكى من أصحابه الإسلاميين العرب، الذين تأففوا من تلك الزيارة الرمزية، أكثر بكثير مما تأففوا من زيارة إسرائيل، وهي ذات أبعاد سياسية يُفترض أن تكون أخطر بكثير.

على الجهة الأخرى من المعادلة، يفعل أردوغان الشيء نفسه، الذي وصفه ناشر صحيفة “أرمين”، وهو الدفاع عن إرث أعداء السلاطين. لأن السلطان عبدالحميد والذين انقلبوا عليه، يظلون أتراكا في أعماق وعي ووجدان أروغان. وليس من العجب أنه ظل حتى الآن، وبعد أن نجح في التمكين لسلطته، يحتفظ بصورة كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية، الذي غيّر الثقافة والقوانين والعلاقات الدولية، بنهج معارض لكل ما هو إسلام ومسلمين.

أردوغان يعترف لأتاتورك، بالكثير من المآثر، بينما الإسلاميون العرب، ليسوا على استعداد للاعتراف بأي عمل حسن أو أي إنجازات تنموية لزعيم عربي راحل لا يختلف اثنان من المواطنين والباحثين والمؤرخين، على عدائه لإسرائيل.

المفارقة أن أردوغان، في انتصاره الوهمي الذي لم يحدث، والذي يصفه هؤلاء بـ”إسقاط أكذوبة إبادة الأرمن في الكونغرس” يعلم جيدا أن الأميركيين كانوا يتابعون مجريات الأمور في تركيا عن كثب، وكان إعلامهم يغطي الوقائع اليومية.

المسألة كانت معروضة على المجتمع الدولي بالصوت والصورة، ما اضطر السلطان محمد السادس في العام 1919 إلى الطلب من إدارة الحلفاء، التي أصبحت مسؤولة عن إسطنبول، محاكمة أعضاء جمعية الاتحاد والترقي التي ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. جرى في ذلك السياق إلقاء القبض على 130 مسؤولا حكوميا مشتبها بمسؤوليته المباشرة عن إبادة الأرمن، بالقتل والإغراق والتهجير القسري من خلال مسيرات الموت في صحراء شرقي سوريا. فهل يمكن والحالة هذه، أن يمحو أردوغان أو غيره، حقيقة تاريخية؟

إن مسألة الموقف التركي من مذابح الأرمن، في العهدين القومي الطوراني والإسلاموي الأردوغاني، هي نفسها. المسألة مسألة تعويضات مالية، تصحو وتنام، كورقة ضغط على الأتراك، الذين لا يريدون التعويض عن خسائر معلومة مُنيت بها طائفة، كان ثراؤها في تركيا، أحد أسباب إبادتها.

6