ناس ينوحون كالحمام في قرية الأشباح والخوف

مسرحية "نوح الحمام" تمثل إطلالة فنية من نافذة الموت والغياب على حاضر بائس، لا تزال تحكمه القيود وتزعزع استقراره الأوهام والتخاريف والمأثورات.
الثلاثاء 2019/05/14
مسرحية الوجع الإنساني وميراث الخوف (تصوير: محمد حسنين)

بوصف المسرح أبا للفنون فبوسعه أن يحتضن جملة التراكيب والتصاوير والتعابير الفلكلورية من أشعار وأغنيات وحكايات وأساطير ودراميات فكاهية ومأساوية، ومن هذه الموروثات تنطلق مسرحية “نوح الحمام”.

مسرحية “نوح الحمام” صياغة محبوكة متقنة لأجواء الحياة البائسة في قرى الجنوب المصري، حيث تنسدل ستائر القهر السوداء محيطة بالواقع والخيال والأحلام، وتتحول الأشجار في الظلام إلى أشباح وفزّاعات.

انطلق العرض على مسرح الطليعة بالقاهرة من الفلكلور والتقاليد الفنية والحياتية في آن، طارحا قراءة جادة في خارطة الناس والأحداث في صعيد مصر، بكل ما فيها من خطوط كارثية وتفاصيل موجعة.

لو أن عنوانا بديلا جرى اقتراحه لمسرحية “نوح الحمام” من تأليف وإخراج وبطولة أكرم مصطفى، لكان “سيناريوهات الخوف”، فهذا النوح الذي تشترك فيه الطيور والكائنات جميعا، من آدميين وغير آدميين، هو بسبب القهر والفزع والخوف في المقام الأول، أكثر من كونه بسبب الحزن والتألم والفقد، وإن كانت هذه الجراحات مؤثرة بدورها بطبيعة الحال.

المجتمع المحلي المحصور في قرية صغيرة بالصعيد، في أقصى جنوب مصر، هو باختصار ملعب الأشباح، ومرتع الشائعات، والبيئة الخصبة للأقاويل والمرويات الشفاهية بحكاياتها وأساطيرها، ويشكل هذا “المجهول”، الذي يتجسد على مسرح الأحداث في هيئة شخصيات حاضرة غائبة، قوة مطلقة فوقية تمارس هيمنتها على البشر.

غاصت مسرحية “نوح الحمام”، التي شارك في بطولتها إبراهيم البيه وأحمد مجدالدين وإيناس المصري وسوسن ربيع ونشوى حسن وياسر عزت، في مساكن القلوب والطبقات العميقة في الضمير الإنساني، فهي وإن كانت تدور وقائعها في ربوع البيوت الطينية في القرية الجنوبية، فإنها اهتمت بالبشر وتحليلهم داخليا بشكل كبير، فالمكان هو الذات بكل ما تحمله من مخزون وركام وتداعيات.

نسج فادي فوكيه ديكورا معبّرا عن تفاصيل الحياة في بيوت القرية وشوارعها الضيقة، وكان المتفرجون يجلسون في صفوف قريبة مدرّجة، فيكادون يلامسون العرض.

تمكّنت المسرحية، المصوغة بإحكام وإتقان، من سحب المشاهدين تدريجيا من خانة التلقي إلى الانخراط في العمل، والمشاركة فيه، وجاء ذلك من خلال المصداقية والاهتمام بالتفاصيل كافة، فاللهجة الصعيدية السليمة، والأداء التمثيلي الطبيعي، والموسيقى الملائمة التي وضعها محمد حمدي رؤوف للأشعار والمواويل الصعيدية (ينوح الحمام.. الحمام ينوح، وأنا قلبي مكوي ومجروح)، جاءت كلها نابعة من البيئة المحلية بخصوصيتها وموروثها الحي النابض، غير منقطع الصلة عن معاينات الواقع المعيش بطزاجته وبراءته، وربما سذاجته في بعض الأحيان.

وهو ما تجلى في الشخوص المتنوعة، كما في شخصية الشاب الأخرس على سبيل المثال (أحمد مجدالدين)، الذي راح طوال العرض يردد (بالإشارة) كل ما يقال حوله على اعتبار أنه حقيقة، ولا يملك من أمر نفسه شيئا، ولا حتى صوته.

المسرحية سحبت المشاهدين تدريجيا من خانة التلقي إلى الانخراط في العمل من خلال أساطير العشق والغواية والموت
المسرحية سحبت المشاهدين تدريجيا من خانة التلقي إلى الانخراط في العمل من خلال أساطير العشق والغواية والموت

من خلال تحركه في مسارات متشعبة، تقصى العرض بأناة الكثير من الحكايات الشعبية في القرية، وأساطير العشق والغواية والموت، وجاء ذلك كله في إطار المحور الأساسي الذي نبعت منه ودارت حوله كل المشاهد واللقطات الدرامية، وهو “الخوف”، ذلك المارد الذي تمكن من السيطرة التامة على البشر عبر التاريخ، واحتل ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، واستعمر واقعهم وخيالاتهم وأحلامهم، وحوّل أشجار الحقول إلى أشباح سوداء، وفزّاعات مخيفة، كتلك التي تُستخدم لإرهاب الطيور وإقصائها بعيدا.

انقسم المسرح إلى ثلاث وحدات، فهناك البيت الريفي الذي يتسامر فيه سلّام وصديقه “الأخرس”، وهناك البار الذي يتنادم فيه الضابط المعزول من وظيفته علاء والنادل، وهناك بيت “وطني” (الشخصية الغائبة المتجسدة بوجوه وروايات عدة) وفيه تظهر زوجته وديدة وأمه نجيبة، وكذلك امرأة العشق والفتنة والغواية صفية.

انطلق العرض من فكرة سهلة، جرى الاشتغال عليها لتعميقها، وهي أن هناك من الأشخاص من تكون لديهم قدرات استثنائية أو خارقة، في أجسادهم أو أرواحهم، إلى درجة أنهم يصيرون مادة للأساطير، ورمزا للمجهول، وقد يتحولون أحيانا إلى قوة سلطوية مخيفة، تتحكم في مصائر البشر، وتمارس سطوتها وقهرها كيفما شاءت. وتمثل هذا المجهول أو الراحل الذي لا يعود أبدا أو الخوف المركزي في شخصية “وطني”، الغائب عن العرض، الحاضر بوجوه مختلفة في كل مشاهده وتفاصيله من خلال حديث الشخصيات عنه.

هذه الشخصية هي الزوج الفحل، والابن النجيب، في داره، وهو “فتى الأحلام” الذي يحل محل زوج صفية في فراشها حينما تهيم بخيالاتها المجنونة. وهو الطاغية القاسي الذي قتل شقيق سلام ولا يملك سلام الجرأة على مواجهته للأخذ بثأر أخيه. وهو المتمرد والمجرم الذي يعيث فسادا في القرية وقتل ثلاثة من أبنائها وعليه حكم بالإعدام لا يُنفذ. وهو الزئبقي الذي أفلت من القانون لعدم وجود إمكانية لضبطه.

هذه بعض سمات “وطني”، وخصائص شخصيته الملحمية، التي أسهب العرض في تقصّي تفاصيلها من خلال العشرات من الحكايات والأساطير الأخرى التي يحكيها الشخوص “المقهورون” عنه.

تمثل مسرحية “نوح الحمام”، إطلالة فنية من نافذة الموت والغياب على حاضر بائس، لا تزال تحكمه القيود، وتزعزع استقراره الأوهام والتخاريف والمأثورات، التي لا يملك أحد الجرأة على مراجعتها أو خلخلتها.

15