نزاع عشائري مسلح في بغداد يظهر مجددا مدى تراجع هيبة الدولة العراقية

مقتل نجل مدير الدفاع المدني في مواجهات بمنطقة الفضيلية في جنوب شرقي العاصمة بغداد.
الخميس 2019/07/04
العشائر سلطة موازية

النزاعات العشائرية المسلّحة في العراق دليل على استشراء فوضى السلاح، ومؤشّر على المدى الذي بلغه تراجع هيبة الدولة العراقية وفقدانها ثقة مواطنيها في عدالتها وقدرتها على تطبيق قوانينها على الجميع، وهي دليل أيضا على تعثّر جهود إعادة بسط الأمن والاستقرار التي تقول حكومة بغداد إنّها تضعها في رأس سلّم أولوياتها.

بغداد - تسبب نزاع عشائري في العاصمة العراقية بغداد بمقتل نجل مسؤول بارز وإصابة نجل شقيقه برصاصات في الصدر في واقعة أعادت تسليط الأضواء على ظاهرة فوضى السلاح في البلاد.

ورغم تحوّل النزاعات العشائرية المسلّحة في العراق إلى أمر معتاد، إلاّ أن الأحداث الدامية التي شهدتها منطقة الفضيلية الشعبية بجنوب شرق بغداد، أخذت صدى واسعا وتسبّبت بحالة امتعاض عامة في صفوف شرائح واسعة من العراقيين، كونها مثّلت من جديد انتقاصا من هيبة الدولة التي تقول الطبقة الحاكمة حاليا إنّها تسعى إلى ترميمها، كما حملت إشارة إلى تعثّر جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى البلد وحصر السلاح بيد الدولة.

وتميّزت فترة ما بعد 2003 في العراق باستسهال حمل السلاح واستخدامه مع صعود الجماعات المسلّحة غير النظامية من ميليشيات تابعة لشخصيات دينية وسياسية وحتى لشيوخ عشائر.

ويعتبر عراقيون أن لجوء العشائر إلى تصفية حساباتها واستعادة حقوق أبنائها أو الثأر لهم باستخدام السلاح هو أيضا مظهر على انعدام الثقة بعدالة الدولة وفاعلية قوانينها التي لا يصعب الالتفاف عليها وتجاوزها باستخدام المال والنفوذ، حتى أنّه من الممكن تبرئة مجرمين متورّطين في جرائم كبرى تصل حدّ القتل العمد، بتقديم رشى أو استخدام وساطات.

وتعددت الروايات الخاصة بأسباب النزاع العشائري الذي شهدته منطقة الفضيلية حيث قتل نجل مدير الدفاع المدني العراقي وأصيب نجل شقيقه إصابات خطرة. وقالت مصادر أمنية إن منزل مدير الدفاع المدني في العراق اللواء كاظم بوهان تعرض لهجوم مسلح، صباح الأربعاء، من قبل مسلحين غاضبين بسبب نزاع عشائري.

وأضافت أن المسلحين هاجموا منزل بوهان في بغداد بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وأضرموا النيران فيه وفي عدد من المنازل المجاورة، موضحة أن نجل بوهان قتل خلال إطلاق النار العشوائي، فيما أصيب نجل شقيق مدير الدفاع المدني بعدد من الرصاصات في صدره ونقل إلى المستشفى وسط أنباء غير مؤكدة عن وفاته.

ولدى وصول فرق الدفاع المدني لإخماد النيران في المنازل المشتعلة فتح المسلحون العشائريون النار عليها. ولم يتم الإبلاغ عن وقوع إصابات.

ويشير الحادث إلى الجرأة الكبيرة التي يمتلكها المسلحون العشائريون إذ لم يخشوا الملاحقة عندما قرروا مهاجمة منزل ضابط كبير يقود جهازا وطنيا بالغ الأهمية، فيما يكشف ضعف السلطات الأمنية في مواجهة الخارجين عن القانون.

وتسبب الحادث في توجيه انتقادات حادة لأداء حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في ملف الأمن وانفلات سلاح بعض العشائر لدرجة تحدي المؤسسة الرسمية بهذه الطريقة.

وتتجنّب مراكز الشرطة التدخل في النزاعات العشائرية، ويفضّل المسؤولون عنها توصّل الخصوم إلى الصلح قبل مباشرة الإجراءات القانونية لأن الضباط قد يتعرضون للملاحقة العشائرية أيضا في حال طبّقوا القانون بحذافيره.

وسعت حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي والحكومة الحالية إلى احتواء تداعيات النزاعات العشائرية وأصدرت تعليمات صارمة ساوت بين استخدام السلاح في نزاع عشائري وجرائم الإرهاب التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

حلّت العشيرة في بعض مناطق العراق محلّ أجهزة الدولة الضعيفة والغارقة في الفساد، في استعادة الحقوق وتسوية الخلافات

وتحركت السلطات الرسمية بعد شيوع ظاهرة “الدكة العشائرية”، وهي عبارة عن هجوم ينفذه أبناء عشيرة ما على منزل شخص يكون قد تسبب بضرر لشخص من عشيرتهم أو لممتلكاته مع رفضه دفع “الفصل”، وهو مبلغ يتفق عليه شيوخ العشائر وتلعب نوعية الضرر وحجمه دورا في تحديد قيمته.

وفي العادة تنتظر عشيرة الشخص الذي تعرض للضرر أن يطلب المتسبب بهذا الضرر مهلة زمنية تدعى “العطوة” لجمع أقاربه قبل انعقاد جلسة الصلح. وفي حال لم يطلب الشخص المتسبب بالضرر هذه “العطوة” فإن العشيرة الأخرى تنفذ “دكة” على منزله وهي عبارة عن هجوم مسلح بهدف التخويف.

وخلال الأعوام الماضية اشتهر شيوخ عشائر بالحزم في متابعة “حقوق” أقاربهم حتى إذا كانت الدوافع تافهة في بعض الأحيان كتعرض خروف لصعقة كهربائية من سلك يغذي أحد المنازل.

كذلك عزّزت الصراعات السياسية الحادّة من سلطة العشائر في العراق حيث أسهم التنافس السياسي الشرس في تقوية شيوخ العشائر، وحوّلهم إلى أدوات انتخابية تعزز حظوظ أي سياسي يتحالف معه هؤلاء الشيوخ.

وتحوّلت العشيرة في بعض المناطق إلى بديل لأجهزة الدولة الضعيفة والمخترقة والغارقة في الفساد، في قضايا استعادة الحقوق وتسوية الخلافات. ولم يعد السكان المحليون، الذين تحدث بينهم نزاعات، يلجأون إلى مراكز الشرطة لتسجيل الشكاوى، بل يذهبون إلى شيوخ العشائر الذين تحولوا إلى ضامنين للحقوق. ويمكن الآن مشاهدة منازل شيوخ عشائر متنفذة في جنوب العراق وهي محاطة برجال مسلحين في وضح النهار.

وفي الكثير من الحالات، يضطر شخص ما لدفع “الفصل” جرّاء حوادث مرورية عادية وبعضها مفتعل في بعض الأحيان، أو بسبب التلاسن واستخدام ألفاظ نابية. واعتاد القانون أن يكون بعيدا عن التدخل في هذه الأمور. لكن الإجراءات التي بدأت في عهد العبادي، واستمرت في عهد عبدالمهدي، حدت كثيرا من النزاعات العشائرية، لاسيما عندما جرى تصنيف “الدكة” عملا إرهابيا.

وأعاد حادث الفضيلية، صباح الأربعاء، ملف النزاعات العشائرية إلى الواجهة مجددا، وسط توقعات برد حكومي قوي على مقتل نجل مدير الدفاع المدني العراقي قد يشتمل على اعتقال العشرات من الأشخاص وإصدار أحكام بالإعدام نظرا إلى الضجة الكبيرة التي تسبب بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

3