نزهة لاكتشاف تاريخ الأثاث

معرض يقدم المتخيّلات المستقبلة عن الأثاث بوصفه يحرك الحس بالاستقرار داخل المنزل المُهدد بالزوال إثر التغيّرات البيئية التي يشهدها العالم.
الأحد 2019/08/18
صور من داخل المعرض

توصف العمارة أحيانا بأنها الجهد البشريّ الأشد قدرة على التحكم بسلوكنا كبشر، ولا نتحدث فقط عن الصروح الكبرى وجهود زحزحة التراب وتكوينه، بل عن تلك التفاصيل الصغيرة واليوميّة المتمثّلة بالأثاث، الذي يظهر كجزء طبيعي من حياتنا، ويخفي وراءه رسائل ومتخيلات تحولت من فكرة في رأس “المصمم” إلى غرض ماديّ، نستطيع امتلاكه والتعامل معه، غرض ذو قيم جمالية ووظيفيّة قد تبدو خفيّة، لكنها تشكّل رؤيتنا لمساحتنا الخاصة، وخصوصا المنزل الذي لا يُسكن دون أثاث وكتل ماديّة نجلس أو نستلقي أو حتى نتأملها في كل غرفة، والتي تلعب ذات الوظيفة المنوطة بصرح ضخم، وهي رسم إدراكنا للمكان ودورنا فيه.

تستضيف “مدينة العمارة والتراث الوطني” في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا باسم “عمارة الأثاث من 1960 إلى 2020″، والذي يأخذنا في رحلة ضمن فضاء يتداخل فيه التصميم الكنسيّ مع المعاصر لاكتشاف أكثر من 300 قطعة فنيّة لأكثر من 100 معماريّ اشتغلوا في التصميم الداخليّ، وأنتجوا قطع أثاث مختلفة تحمل كل منها لمسة جمالية وتختزن خصائص العصر السياسية والاقتصاديّة.

نتعرّف من خلال هذه الأعمال على الأسلوب الذي تطور فيه فن تصميم الأثاث على يد عدد من المعماريين الذين اشتهروا كمصمّمين داخليين، خصوصا خلال السنوات الستين السابقة، إذ نشاهد أعمالا من مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة وصولا إلى المتخيّلات المستقبلة عن الأثاث، بوصفه يحرك الحس بالاستقرار داخل المنزل المُهدد بالزوال إثر التغيّرات البيئية التي يشهدها العالم.

قسوة الحديد تشكل أثاثاً مقاوماً للزمن
قسوة الحديد تشكل أثاثاً مقاوماً للزمن

أثاث ما بعد الحرب

كان للدمار الذي خلّفته الحرب العالميّة الثانيّة في أوروبا أثر كبير على مفهوم العمارة، إذ أعاد الكثيرون النظر في مفهوم المنزل ووظيفته وأسلوب جعله صالحا “للاستقرار”، بصورة تضمن السرعة في الإنجاز، والقدرة على الانتقال السريع بالأثاث، وهذا ما لجأ إليه حسب المعرض العديد من المعماريين في فرنسا، الذين بسببهم ظهرت مهنة “المصمم الداخليّ”.

 ومن هذا المنطق، الذي يحاول خلق توازن بين “الخفيف” و”المريح” و”العصري” نرى مثلا الكنبة الشهيرة بريمو كولباتو، التي أنجزها المصمم والمعماري الفرنسيّ مارك هيلد عام 1967، والتي تحوّلت إلى جزء من الثقافة الشعبيّة، كونها في متناول الجميع، وخفيفة، وذات تصميم طريف، أقرب لعرش ملكيّ يمكن أن يمتلكه أي واحد منّا في منزله.

الأثاث والأيديولوجيا

هذه النظرة الفنيّة والنقديّة للأثاث نراها بصورة أوضح لدى المعماريين الذي تبنّوا تيارا مفاهيميا وموقفا من العالم انعكس في أعمالهم كحالة الراديكاليين الإيطاليين، الذين نشطوا بين الستينات والثمانينات من القرن الماضي، إذّ ركّزوا على التصميمات الغريبة التي تتلاعب بالعلاقة بين الشكل والملمس، وتوظف عناصر وانحناءات مستمدة مع عناصر الطبيعة والجسد البشريّ في ذات الوقت غرائبيّة وتخاطب القطاعات الفنيّة والأدبيّة، لتتحول قطعة الأثاث إلى عمل فني ذي حكاية وتاريخ.

نتعرّف من خلال هذه الأعمال على الأسلوب الذي تطور فيه فن تصميم الأثاث على يد عدد من المعماريين الذين اشتهروا كمصمّمين داخليين، خصوصا خلال السنوات الستين السابقة
نتعرّف من خلال هذه الأعمال على الأسلوب الذي تطور فيه فن تصميم الأثاث على يد عدد من المعماريين الذين اشتهروا كمصمّمين داخليين، خصوصا خلال السنوات الستين السابقة

 إذ نشاهد الكنبة الشهيرة التي صممها أليساندرو مانديني مستفيدا من كنبة تعود لعصر النهضة، أراد عبرها التحرر من قيود “الحداثة” والرصانة التقليدية نحو شكل أقلّ انضباطا، في ذات الوقت حاد الحواف، ما يهدد من يريد الجلوس، إذ يرى الفرد نفسه محاطاً بالموتيفات والزخارف المتكررة والألوان الفاقعة، فمانديني حسب تعبيره يعيد إنتاج أثاث الماضي ليجعله ذا علاقة مع الآن وهنا ليعكس روح العصر، وهذا ما نراه أيضا في تصميمه لـ”كرسي بروست”، الذي كل تفصيل فيه أشبه بمحاولة لاستعادة ذاكرة ما، كتلك التي كان يسعى إليها بروست في “البحث عن الزمن المفقود”.

نرى في المعرض تصميمات نادرة، لا يوجد منها الكثير، لا لأنها فقط غير وظيفية وتعتمد على البعد الجماليّ، بل لأن بعض المعماريين اكتفوا بعدد قليل من قطع الأثاث، كمجموعة كراسي إيزابيل سير التي أنتجتها في الثمانينات من القرن الماضي، بوصفها محاولة طليعيّة لدمج الأشكال الهندسية اللاتقليديّة مع الحديد، من أجل خلق كتل تمتد في الفضاء، كُتل تُشعّ بهالة جمالية، تراهن على الإتقان والاتزان لا على توظيف أقلّ مساحة.

تصميمات مستقبلية

ينقلنا المعرض إلى روّاد ما بعد الحداثة في التصميم الداخليّ، إذ نشاهد مجموعة كراسي من تصميم غريغ لين، الذي يدير مركزا للأبحاث الرقميّة، والذي تبدو مقاعد كراسيه أشبه بأمواج صوتيّة، كذلك نشاهد التصميمات الخلابة لزها حديد، وكنبتها الشهيرة “جبل الثلج”، التي تشابه في اسمها وملمسها جبل ثلج على وشك الذوبان، لكنها مصنوعة من الخشب والحديد والبلاستيك، لتبدو أقرب إلى ثلج يندفع للأعلى متحديا الجاذبية نفسها، وإلى جانبها الكرسي الشهير “la Tippy Lounge Chair” الذي صممته ليبدو وكأنه على وشك السقوط، موحيا للناظر بأنه لا يمكن تحريكه، ما يولّد شعورا بالحذر حين الاقتراب منه.

أثاث الماضيّ ملوناً
أثاث الماضيّ ملوناً

 

13