هدم المباني المخالفة يضع الحكومة في مواجهة مع الشارع المصري

تسهيلات حكومية لا تلقى قبول المتضررين وسط جدل كبير حول تنفيذ قانون التصالح في المخالفات.
الاثنين 2020/09/14
قرار لا يفرق بين غني ومعوز

حالة من الغضب في صفوف أصحاب المباني المعرضة للهدم، وسط خشية من انفجار في مصر لاسيما وأن المؤشرات توحي بأن الفئات المستهدفة بهذا القرار لن تلتزم الصمت.

القاهرة - واصلت الحكومة المصرية التراجع خطوات إلى الوراء بشأن شروط التصالح في مخالفات البناء، بعد اتخاذ إجراءات صارمة بإزالة المباني غير المرخصة، لكن ذلك لم يعد كافيا لامتصاص غضب العديد من المواطنين الذين يفتقرون للحد الأدنى المطلوب دفعه من الأموال نظير النجاة بأنفسهم من التشريد وبمنازلهم من الهدم.

ارتبطت تهدئة النبرة مع الشارع، بتذمر البعض من تهديد الرئيس عبدالفتاح السيسي أخيرا، بأنه على استعداد لإنزال الجيش لتنفيذ قرارات إزالة المباني المخالفة، إذا تمسك أصحابها برفض التصالح ودفع قيمة المخالفات الموقعة عليهم، وهي لغة لم يستخدمها منذ رئاسته للدولة، بأن يضع الجيش في مواجهة مباشرة مع المواطنين.

وعقد رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي مؤتمرين صحافيين في أقل من ثلاثة أيام للحديث إلى الرأي العام، والإعلان عن حزمة تسهيلات، على رأسها التمديد في مهلة التصالح لشهرين مقبلين، على أن يتم خفض قيمة الغرامات الموقعة على البنايات المخالفة، والسماح للبنوك بتمويل غير القادرين على الدفع بفوائد رمزية على مدار عامين أو ثلاثة، شريطة أن تكون لدى المخالفين نية للتصالح مع الدولة.

وقال مدبولي، السبت، إنه تقرر خفض قيمة المخالفات الموقعة على المعوزين في المناطق الريفية إلى الحد الأدنى، مراعاة لظروفهم، مع خصم 25 في المئة للأسرة التي تدفع قيمة الغرامة كاملة.

ولم يتراجع رئيس الحكومة عن استخدام نبرة التهديد بتفعيل القانون على المخالفين، وبدا واضحا من حضور وزير الدفاع الفريق محمد زكي، خلال المؤتمر عدم استبعاد تنفيذ تعهد السيسي بتكليف الجيش بالمواجهة.

جهاد عودة: تخطئ الحكومة إذا قررت الدخول في مواجهة
جهاد عودة: تخطئ الحكومة إذا قررت الدخول في مواجهة

وتغافلت الحكومة عن محاسبة الجهات الرسمية التي سهلت إجراءات بناء مساكن على مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية، ووضعت قبضتها على رقاب أصحاب البنايات وساكنيها، وطالبتهم بتعويضات عاجلة، ما أحدث ردود فعل سلبية.

تزامنت تسهيلات الحكومة مع ارتفاع نبرة الغضب الجماهيري بعد إصرارها على تنفيذ قانون التصالح في المخالفات، الذي أقره مجلس النواب في مارس الماضي. ويخشى من أن يفضي هذا الغضب المكبوت إلى انفجار لأن قرارات الإزالة لم تميّز بين أغنياء ومعوزين، ولأول مرة تجتمع شرائح سكانية باختلاف توجهاتها على رفض قرار تبناه رئيس الدولة ويصرّ على تطبيقه.

يبلغ عدد المباني المخالفة قرابة مليوني منزل تقطنها نحو 10 ملايين أسرة من مختلف الطبقات، وهي شريحة كبيرة يصعب الدخول معها في مواجهة مباشرة والسيطرة عليها في حال قررت الاحتجاج.

وفُهم تعديل الحكومة للمهلة المحددة مسبقا، بآخر سبتمبر الجاري، قبل نزول الجيش، على أنه تراجع أمام ارتفاع منسوب الغضب، وظهور بوادر تمرد ضد أجهزة الشرطة المكلفة بتأمين عمليات الإزالة، وتلويح البعض بالتجمهر والتظاهر. وبدا أن التأثر على الدعم الممنوح للحكومة، وخفوت الأصوات المؤيدة لقرارات هدم المباني المخالفة، دفعها لتقديم تسهيلات لترميم شعبيتها، وتجنب الوصول إلى المواجهة.

وتسعى أطراف معارضة للنظام استغلال حالة الغليان، من خلال تحريض المواطنين على التظاهر يوم 20 سبتمبر، وهي دعوة أطلقها المقاول والمعارض الهارب محمد علي، وأيّدها أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وروجّت لها الأذرع الإعلامية للجماعة، التي تبث من تركيا وقطر.

وانتشرت مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي لمواطنين خرجوا للتظاهر ضد قانون مخالفات البناء بالإسكندرية، شمال غرب القاهرة، لكن وزارة الداخلية سارعت بنفي الواقعة، مؤكدة تزويرها من جانب أنصار الإخوان لتأجيج الرأي العام.

وبدأت احتجاجات من نوع آخر تظهر أثناء عمليات الإزالة نفسها، بأن يصرّ أفراد الأسر على البقاء في المنزل ومطالبة القائمين على الهدم بنسف البيت فوق رؤوسهم، أو محاولة الاحتكاك بقوات الأمن المرافقة للمسؤولين عن تنفيذ القرار.

وتخشى دوائر أمنية أن تكون هذه إشارات تمهد الطريق أمام الاحتجاج في أقرب الأوقات، فهناك متضررون على استعداد للتمرد والإفصاح عن الغضب علانية، بعدما اعتقدوا أن الصمت جلب عليهم المزيد من المتاعب والأزمات.

وقال شهود عيان لـ”العرب”، إن منطقة وسط القاهرة المتاخمة لميدان التحرير شهدت تحركات أمنية مكثفة مؤخرا، في خطوة استباقية لأي مسيرات احتجاجية.

ويرى البعض من المراقبين، أن ثمة ارتفاعا في منسوب القلق لدى كتلة حرجة من السكان، لم تعد تستطيع تحمل زيادة الأعباء، ما يشكل معضلة لحكومة اعتادت اللجوء إلى جيوب المواطنين لتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي ومواجهة التحديات.

Thumbnail

وأكد جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، جنوب القاهرة، أن الوجود الأمني اللافت في محيط ميدان التحرير، يرتبط بارتفاع القلق من إخفاق الحكومة في إدارة الأزمة الراهنة، وعجزها عن حل مشكلة تمس حياة الملايين.

ويحذر كثيرون، من مغبة اللجوء إلى سياسة القبضة الحديدية لإجبار المواطنين على القبول بالأمر الواقع، لأن الشريحة المستهدفة لن تصلح معها هذه الطريقة، فعندما يرى الفقراء منازلهم تهدم أمام أعينهم لن يخافوا من المواجهة.

وأوضح جهاد عودة لـ”العرب”، أن الحكومة تخطئ إذا قررت الدخول في مواجهة مع هذه الشريحة، ويمكنها الخروج من الموقف بأقل الخسائر عندما تلجأ لتسوية مقنعة، كما أن تصدر رئيس الحكومة مشهد امتصاص الغضب لم يكن موفقا، ومهم هنا خروج الرئيس السيسي للحديث عن الأزمة.

أخفقت الحكومة في تقدير التداعيات مسبقا، وواصلت التعامل مع صمت الناس على أنه دعم لقراراتها، وتمادت في فرض المزيد من الأعباء، لكن هناك لحظة ربما يعلو فيها صوت الغضب، كما أن تراجعها لن يكون مجديا بالصورة الكافية، لأنه يدفع الناس للمزيد من الضغوط لحضها على عدم اللجوء إلى هذه الوسائل مستقبلا.

ويرى متابعون، أن الخطر هذه المرة في أن الصدام يتدحرج نحو شريحة بسيطة اعتادت الوقوف مع الدولة على الدوام، بغرض تكريس الاستقرار وتقوية دعائم الأمن لتجنب الوصول إلى سيناريوهات دول أخرى سقطت في يد الفوضى.

من شأن تصاعد الغضب أن يؤثر سلبا على الحضور الجماهيري في انتخابات مجلس النواب المقرر لها الشهر المقبل، في ظل قناعة تسربت لأغلبية المواطنين بأن البرلمان المنتهية ولايته هو سبب تمرير قانون إزالة المباني المخالفة.

يشير مؤيدون للحكومة، إلى أنه لو كان للدولة الحق فعلا في استعادة الأراضي من المغتصبين بالهدم أو دفع الغرامة، فاختيار التوقيت غير موقف، لأن تنفيذ قرارات الإزالة جاء في ذروة تململ الشارع من تحريك أسعار بعض الخدمات الأساسية.

ويراهن هؤلاء، على حكمة الرئيس السيسي، وتدخله لنزع فتيل الغضب قبل أن تتسع دوائره، وتصبح هناك تحركات لمجموعات متضررة من تنفيذ القانون دون مراعاة للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، ما يغري آخرين بالقفز سياسيا فوق المشهد.

2