هكذا يتم بناء الفيلم وفق نظريات شكسبير السينمائية

السينما السوفييتية التي ينتمي إليها سيرجي آيزنشتاين لها توجه ينكر القصة ويعتمد في تركيب الفيلم على بنيته البصرية.
الاثنين 2020/12/21
سيرجي آيزنشتاين مدرسة سينمائية مؤثرة

ميلانو (إيطاليا)- يعتبر كتاب “الشكل الفيلمي – مقالات في نظرية الفيلم” للمخرج والمنظر السينمائي الروسي وأحد أهم السينمائيين العالميين سيرجي آيزنشتاين، من أبرز الكتب التأسيسية في مجال دراسة السينما وفي تركيب “شكل” الفيلم في عالم الشاشة البيضاء.

وعن مؤلفه قال الباحث البريطاني ريتشارد تايلور “إذا كان هناك أحد يستحق أن يوصف بأنه شكسبير السينما فمن الواجب أن يكون هو سيرجي آيزنشتاين… ولكن على عكس شكسبير كان آيزنشتاين أكثر من مجرد ممارس رائد لفنه، بل كان أيضا المنظر الأساسي له”.

الكتاب يُكمل المقاربة السينمائية والنقدية لمفاهيم سيرجي آيزنشتاين وعالمه الفني
الكتاب يُكمل المقاربة السينمائية والنقدية لمفاهيم سيرجي آيزنشتاين وعالمه الفني

وقد صدر الكاتب أخيرا عن منشورات المتوسط -إيطاليا، حيث ترجمه وكتب حواشيه الفنان والمخرج المصري عماد أرنست، نقلا عن النسخة الإنجليزية التي ترجمها وحررها الناقد ومخرج الأفلام الأميركي جاي ليدا.

يقبع كتاب “الشكل الفيلمي” في القلب من التوجه الذي تبناه السينمائيون السوفييت الطليعيون منذ أواخر العقد الثاني لبدايات القرن العشرين، وهو توجه ينكر “القصة”، ويعتمد في تركيب الفيلم على بنيته البصرية وطريقة توليف العناصر السينمائية، وتجاور دلالاتها للخروج بدفقة ذهنية “تحث المتفرج على التفكير والإدراك الحسي” في ما تمثله الصور المتحركة المعروضة على تلك الشاشة البيضاء، معتمدا في ذلك على مقاربته الخاصة جدا وتطويره الاستثنائي لفهم الدراما الإغريقية بشقيها من مأساة وملهاة.

يكمل الكتاب المقاربة السينمائية والنقدية لمفاهيم سيرجي آيزنشتاين وعالمه الفني، ويعتبر مرجعا فنيا لأجيال صناع الفيلم ودارسيه الجديدة، باللغة العربية، وسيسهم في تأسيس صحي لفكرهم على دقة النصوص لا على اقتباسات غامضة منتشرة في ابتسار، وخاصة في ما يخص مفاهيم آيزنشتاين المونتاجية والإخراجية التي لامست جوهر السينما.

يوضح المترجم عماد أرنست في مقدمة الكتاب أنه “هذه الترجمة هي الأولى إلى اللغة العربية لكتاب غاية في الأهمية بمجال دراسة السينما، سواء بشكل فردي أو في المعاهد المتخصصة؛ فهو من أعمدة المناهج الدراسية بكل معاهد السينما في العالم، وله أهمية بالغة في تأسيس مفاهيم السينما السوفييتية بشكل دقيق لدى المتخصص أو المثقف، نظرا إلى قدرته في الحضّ على فكرة البحث الأصيل والدقيق لدى الفنان والسينمائي على حد سواء”.

وسيساهم الكتاب، كما يرى أرنست، في قراءة مكتملة لمجمل أعمال آيزنشتاين النظرية والفيلمية لما يحتويه من مادة مفتاحية إضافية لأفكاره الواردة في الترجمات العربية الجادة لكتابيه “الحس الفيلمي” و“مذكرات مخرج سينمائي”، ورغم كون هذا الكتاب “مرجعا فنيا”؛ كان لا بد من وضع حد لافتقاد صانعي السينما وعاشقيها ودارسيها للكتاب في لغتهم الأم.

 ويشدد المترجم على أن إتاحة كتاب آيزنشتاين سيساهم أيضا في اتكاء النقاد والدارسين والمؤرخين اتكاء بحثيا سليما، تنتج عنه نقاشات وأبحاث ودراسات ورسائل ماجستير
ودكتوراه تتسم بالنزاهة والدقة في ما يخص الشكل الفيلمي في فتراته المرجعية.

عماد أرنست: هذه الترجمة هي الأولى إلى اللغة العربية لكتاب غاية في الأهمية بمجال دراسة السينما
عماد أرنست: هذه الترجمة هي الأولى إلى اللغة العربية لكتاب غاية في الأهمية بمجال دراسة السينما

ويقول “منذ اللحظة الأولى لدخولي معهد السينما لدراسة الإخراج عام 1989 توجهت لمكتبته، فلم أجد بين أرففه، وإلى الآن، هذا المرجع الأساس، والكتاب الوحيد الذي يتناول الشكل الفيلمي ‘تنظيريا عبر الممارسة‘، والذي منحتني الصدفة وحدها، لا إرشاد مدرس أو منهج بجامعة نيويورك أو سان بطرسبورغ لتلميذه، فرصة العثور عليه والاستفادة البالغة منه”.

أخيرا جاء الكتاب في 496 صفحة من القطع المتوسط. متضمنا اثني عشر مقالا تأسيسا غاية في الأهمية في نظرية الفيلم، قدمت نظرة شاملة على صناعة الأفلام وتناولت الفصول على التوالي: عبر المسرح إلى السينما، المباغت، المبدأ الفني السينمائي والإديوجرام، مقاربة جدلية للشكل الفيلمي، البعد الرابع الفيلمي، طرق المونتاج، دروس في المعالجة، اللغة الفيلمية، الشكل الفيلمي: مشكلات جديدة، البناء الفيلمي، إنجاز، ديكنز وجريفيث والفيلم المعاصر، وملحقان هامان؛ ملحق (أ): بيان في الفيلم الناطق لآيزنشتاين وبودوفكين وألكسندروف، ملحق (ب): تدوينات من معمل مخرج. وقد قام المترجم بإعداد ملحق كبير مرفق بترجمته العربية متضمنا لحواشي المقالات وأعلامها، وسيرة وتواريخ هامة لآيزنشتاين، وكذلك فيلموجرافيا محققة لسيرجي آيزنشتاين. وفي الأخير، مصطلحات ومفاهيم سينمائية وردت في الكتاب، وتوسعات في مصطلحات ومفاهيم على صلة بها.

ونشير إلى أن سيرجي آيزنشتاين (1898 – 1948)، مخرج ومنظر سينمائي روسي رائد، ويعتبر واحدا من أهم السينمائيين في تاريخ السينما العالمية، رغم أنه لم يقدم عمليا سوى تسعة أفلام، غير أن فيلما واحدا منها هو فيلم “المدمرة بوتمكين” (1925) يعتبر نموذجا للكمال الفني النادر.

و“أبوالمونتاج” كما كان يلقب، ما يزال يلهم الآلاف من السينمائيين في العالم بأسلوبه الخاص المميز في التصوير والمونتاج، وقدرته على تكثيف الجماليات الجديدة التي ولدت مع التغييرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها روسيا في مطلع القرن العشرين.

ساهم آيزنشتاين في تأسيس نظرية السينما، وأثار بأفلامه وتجاربه في التطبيق السينمائي جدلا عميقا حول علاقة السينما بالفنون الأخرى وعلم الجمال. من أعماله الرائدة فيلمه الصامت “الإضراب” 1924، “أكتوبر” 1927، بالإضافة إلى ملحمته التاريخية “ألكسندرنفسكي”  1938، و “إيفان الرهيب” في جزأين، (1944 – 1958).

سيرجي آيزنشتاين شكسبير السينما
سيرجي آيزنشتاين شكسبير السينما

 

14