هل يمكن للنص التفاعلي أن يعوّض النص المكتوب

التكنولوجيا تفرض نفسها على الأدب في عصر ما بعد الورق.
الثلاثاء 2021/03/02
إنه زمن الصورة والكلمة معا (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

أفرزت العلاقة بين الإنتاج الأدبي والتكنولوجيا ولادة نصوص تقوم على أساس التفاعل، ولا يمكن تجاهل ما أضافته التكنولوجيا من وسائط تفاعلية متعددة من أجل السعي إلى تجديد الوعي بالنص والإبداع والنقد الأدبي. كما خلقت نوعا جديدا من القراءة فيما تظل متعثرة في الأدب العربي.

قدمت الباحثة الجزائرية ريمة حمريط مؤخرا أطروحتها التي نالت عنها درجة الدكتوراه من جامعة باتنة 1، كلية اللغة والأدب العربي والفنون، وعنونتها بـ”سيميائية اللغة والصورة في النص التفاعلي العربي ـ روايات محمد سناجلة أنموذجا”، حيث عالجت من خلالها موضوع النص التفاعلي في سياق الثقافة الرقمية والبعد التقني والتكنولوجي.

وتعتبر الباحثة أن النص التفاعلي رؤية جديدة خارج الورق تحقَقَت مع الثورة الرقمية التي استطاعت الدمج بين الإنتاج الأدبي والوسائط الإلكترونية المتعددة، ليس لإحداث قطيعة أدبية بل لبيان استمرارية التجريب الأدبي مع ما يأخذه من التفاعل مع الثقافة بالشكل التدريجي، لأن في هذا النوع من النصوص لم يكن الكمبيوتر الوسيط التقني المعتمد مباشرة، وإنما ارتبط قبلا بوسائط تقنية أخرى غيره كالفيلم أو السينما مستفيدا من مزايا التفاعل التقني بالصوت والصورة والأنفوجرافيك.

ريمة حمريط: الأدب تحول من ثقافة الكتابة وأحكام اللغة إلى رسالة بصرية
ريمة حمريط: الأدب تحول من ثقافة الكتابة وأحكام اللغة إلى رسالة بصرية

الصورة والكلمة

ترى حمريط أن النص الأدبي مهما كان نوعه كلما استعصى على التحول إلى سيناريو كان هذا دليلا على أصالته، والتجارب السينمائية تثبتُ أن الروايات الثقيلة تفقدُ رونقها على الشاشة بإضمارها المكون الأصلي (اللغة) في بناء النص واعتمادها ثقافة المشهد “الصورة”.

وتضيف أن التواصل البصري أخذ نصيبا كبيرا من بين أشكال التواصل البشري بعدما اتَسع الإبداع إلى ما بعد المكتوب؛ وأوّلُ ما عبر الإنسان عن أفكاره عبر الصورة، وبداية الحضارات وُثِّقت بالصورة، أمَّا الكتابة فجاءت متأخرة، والآن تعود الصورة بشكل قوي للتعبير عن الحضارة، لأنها أسرع الخطابات وأكثرها تأثيرا.

غير أنَّ هذا الطرح لا يمنح السلطة للصورة فقط، فقد تطرح العلامة اللسانية “اللغة” مساءلات بالنسبة إلى الصورة؛ لأن الكلمة المكتوبة ليست هي قبل كل شيء كالصورة وليس ضروريا توازيهما، وإن كان حال الكلمة اليوم أنها تعيشُ تراجعا لصالح الصورة إلاَّ أنها تظل وسيلة للتواصل بين المبدع والقارئ تقوم على إظهار الجانب الإبداعي للنص بمضمونها الذي يظهر في شكل فني وعلاقاتها اللغوية غير الاعتيادية التي تخرق النظام المألوف.

اللغة، كما تقر الباحثة، هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها وجودا متميزا قائما بخصائصه. إنها تجعل القارئ يجسد ما يقرأه في خياله بحرية تامة عن طريق مجموعة من الصور والأفكار التي يبنيها في ذهنه حينما يكون سارحا في عملية القراءة، والخيال لا يضع قوانين أو حواجز أو حدودا للتفكير والاحتمال والتصور، بل يضع الذهن في مواجهة كل الاحتمالات التي يرسمها لواقع الأحداث المقروءة.

وتلفت حمريط إلى أننا نعيش اليوم في عصر ثقافة ما بعد الورقي، في ظل عالم المتغيرات الذي تغذيه خطابات العولمة والتكنولوجيات الجديدة، حيث أبرزت آفاقا أخرى لثقافة الصورة، فتحت لها السيميائيات هي الأخرى آفاقا جديدة من خلال إعادة النظر في طريقة التعامل مع قضايا المعنى في زمن أصبحنا نعيش فيه بالتوازي مع الكلمات.

في رأيها إنه زمن الصورة والكلمة معا، فيتحول الأدب من ثقافة الكتابة التي تحكمه لغة لطالما كانت وليدة قواعد النحو والتداول إلى رسالة بصرية تركيبية لا تقبل التقطيع إلى عناصر صغرى مستقلة لأنها ترابطية تختزل في بنائها دلالات لا تتجزأ، ثم يتحول المتلقي من قارئ للنص المكتوب إلى قارئ للصورة، واضعا بعين الاعتبار الخصوصيات المائزة بين لغة تحليل صورة النصوص المكتوبة ولغة تحليل الصور المرئية، ومراعيا وقع فتوحات التأويل بين بلاغة الطرفين، ومدى التقارب بين القراءتين في ما يخص طبيعة كل منهما وخصوصيتهما البنيوية.

وتحاول حمريط في أطروحتها لفت الانتباه إلى شكل نصي جديد تتشعب فيه الأسئلة انطلاقا من الإشكالية التالية: هل استطاعت مجمل الأنظمة اللغوية والأنظمة غير اللغوية أن تثري التخييل بتحقيقها شرط التفاعلية، أم تحدُّهُ؟ وقد قادتنا إلى طرح هذه التساؤلات الآتية: هل يمكن للنص التفاعلي أن يكون بديلا عن النص المكتوب؟ في ما تكمن إيحائية صورته بين بعديها اللغوي والبصري؟ كيف نقارب ما هو لساني بآليات ما هو بصري؟ ثم هل استطاع النص التفاعلي أن يقدم صورة أشدّ بلاغة وتأثيرا إلى جانب تجسيده اللغة الأدبية؟

وتأسيسا للإجابة عن هذه الإشكالية، وجدت الباحثة إمكانية تقصي جوانب هذا الموضوع في ضوء المنهج السيميائي من خلال منجزات سيميائيات العلامة مع التركيز على وضع متصورات النظرية السيميائية في تغطيتها أبعاد الموضوع، برؤية تحاول أن تجلي الأثر الجمالي بنمط قراءة ثقافية، حيث مثل موضع هذا النوع من النصوص دافعا وراء اختيار سيميائية اللغة والصورة لاشتماله أشكال التعبير الإنساني المختلفة، وهذا يؤكد إيجابيات كثيرة تساعد على بناء شخصية الباحث بمساءلة تلك النصوص والسعي لاِجتراح الأدوات المنهجية لسبر قدراتها.

ثلاثة نصوص

لوحة للفنان ساسان نصرانية
متطلبات التطور التكنولوجي (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

وقع اختيار حمريط للتطبيق على نصوص “شات” و”صقيع” و”ظلال العاشق (التاريخ السري لكموش)” للروائي محمد سناجلة، واتضحت معالم خطة أطروحتها وفق ثلاثة فصول، بدأتها بمدخل سيميائية اللغة والصورة، وقد أجمل الفصل الأول إشكاليات النص التفاعلي العربي بوصفه نصا جديدا وفق تصورات غير نمطية، انطلاقا من ضرورات تجديد الكتابة ومن إشكالية الماهية إلى سؤال الهوية في النص التفاعلي.

وتركز الباحثة ابتداء على إشكالية المصطلح إذ تتوزع مصطلحات النص التفاعلي في البيئة العربية وتختلف من باحث إلى آخر بالشكل الذي يحدث عند الباحثين العرب، فتكونت له مسميات: الأدب الرقمي، النص المترابط، النص المتشعب، النص الفائق، النص المتفرع… وغيرها. وضمن هذا الوضع الشائك رُفعت إشكالية المفهوم بتشريع إبدالات في تحديده وتنظيره على النحو الذي يدل على طبيعته، واعتبارات خصوصيته من خلال التركيز على علاقة النص بالوسيط.

ومن شأن هذا أن يعرّف على ماهيته لتحديد هويته مقابل أنواع النصوص الأخرى بالبحث عن مبررات تبرهن على كينونته وتؤهبه لرهان المستقبل القائم حول مداهمة نظيره النص الورقي، ومن هنا تبرز مقولة التجنيس للنص التفاعلي التي تقوم في الأساس على مقولة الشكل النصي وقوانين الكتابة القائمة على تطوير وتجاوز النظريات والقوانين الأدبية، وعلى ما يتعلق بنظرية القراءة ومحل القارئ ضمن هذا النص الجديد الذي يثير مسألة إبدال سلطة القراءة من فعل القراءة النمطية مع النص الورقي إلى مشاركة التأليف أو الكتابة ضمن مختلف الوسائط القائمة على أساس الكمبيوتر.

النص التفاعلي أبدل سلطة القراءة من فعل القراءة النمطية مع النص الورقي إلى مشاركة التأليف أو الكتابة

تكرسه التفاعلية عقدا ضمنيا يعطي للمتلقي الحق في بناء النص وتوسيع مساراته القرائية؛ فيتغير شرط الكتابة من خصوصية الفكرة إلى تعددها من خلال مبدأ الكتابة الجماعية، فيتحقق التغيير ونلاحظ الحضور الأساس للكمبيوتر، وتتسع مهام الكاتب لممارسة القراءة إلى جانب الكتابة أيضا، وهذا يعني أن هدف المبدع الرقمي استشعار المدركات المتنوعة لخلق نص قادر على تفعيل دور التخييل في ذات المتلقي من جميع جوانبه الحسية “الحرف/ الصورة/ والصوت” ليخلق خيالا كاملا يحاصر المتلقي ويقطعه عن عالم خارج النص.

وتمحور الفصل الثاني من أطروحة حمريط حول النظام السيميائي في نص “شات”، إذ تبحث في مستويات النص مركزة على المقاربة الدلالية للنص ضمن إطار فحص عتبة الغلاف والعنوان، حيث يظهران بالشكل الذي يستجيب للمتطلبات التقنية والرقمية على المستوى البصري الذي يؤكد دور الوسيط التكنولوجي الأساسي في عملية التشكيل الأدبي، ثم تأتي محاولة تقطيع العناصر السيميائية في نص “شات” منذ بداية التشكيل من خلال عتبة الاستهلال عندما يعلن النص بدايته بمشهد سينمائي يجسد الصورة المتحركة التي تعمل على آليات المونتاج الرقمي أو التوليف، فيكون فاتحة أحداث النص بعكسه المضمون الدلالي للغة.

ويتوسع بناء المعنى والدلالة في “شات” ضمن بنيته السطحية والعميقة في إنتاج النسق الضدي للذات السردية في علاقتها بعنصري الزمان والمكان، على مستوى العالمين الواقعي والافتراضي بالاستناد إلى مربع غريماس السيميائي في إنتاج المعنى. وفي ذلك استطاع الروائي محمد سناجلة توظيف رموز تقنية تماهت مع اللغة في الوظيفة التعبيرية، كما أظهر دائرة من التقاطعات بين مختلف الأشكال التعبيرية من خلال توظيف النص الشعري داخل إطار البصري والسرد الفيلمي وتعدد اللغات داخل النص.

وجاء الفصل الثالث بعنوان “سيميائية اللغة والصورة” ليكشف عن التكنيك الروائي في نصي “صقيع” و”ظلال العاشق”، حيث تحلل حمريط أولا المقاربة الدلالية لنص “صقيع”، النص الذي جاء بمتغيرات بنائية وسردية وتقنية رقمية جديدة ويمزج بين الشعر والسرد ومختلف الفنون باستخدام التقنيات الرقمية؛ فكانت الانطلاقة من سيميائية الواجهة الافتتاحية، بوصفها دعامة نصية تجسدت في مشهد سينمائي متحرك مؤثر في البنية السردية على الصعيد التناظري مع وحدات النص التعبيرية الوصفية، إلى دلالة العنوان “صقيع” المعجمية والإيحائية.

حمريط تلفت إلى أننا نعيش اليوم في عصر ثقافة ما بعد الورقي، في ظل عالم المتغيرات الذي تغذيه خطابات العولمة والتكنولوجيات الجديدة

كما تتوقف الباحثة في هذا الفصل عند التدليل العلاماتي في نص “ظلال العاشق (التاريخ السري لكموش)”، وهو النص الثالث الذي استمر معه الروائي محمد سناجلة في تجريب الوسيط التكنولوجي لتشييد الفعل الرمزي داخله بتحقيقه تزاوجا فريدا بين الرواية والتقنية والفنون كمؤشر على تداخل أجناسي، يمنحُ مساحة قرائية تضع القارئ أمام قراءات مختلفة، لذا جاءت مسارات القراءة في “ظلال العاشق” بميزةِ التعدد التي لم تتوفر في روايتي “شات” و”صقيع”، ومن أجل النظر في طبيعة الرواية من حيث مادتها التاريخية حاولت الباحثة استخراج الدلالات التأويلية للسرد التاريخي في النص، من خلال الملفوظات السردية والرموز والأيقونات البصرية في اعتماد مبدأ التخييل على قانون المطابقة في عملية إسقاط الأحداث التاريخية على ما هو واقع الآن. ثم انتقلت من سيميائية العنوان بالوقوف عند سننه اللغوي ودلالته الزمنية إلى استخدام اللون والتشكيل في فضائه.

وتؤكد حمريط أن النص التفاعلي حقيقة أدبية، وقد ميَّزهُ عصرنا التكنولوجي. وليس غريبا أن يحاول إثبات نفسه على الساحة الأدبية والنقدية ويواجه الهجوم والتصدي، لأن تقبله يعني تقبل تغيير الكثير من المفاهيم المتعلقة بالعملية الإبداعية وكسر الثوابت بالانفتاح على التعددية والمشاركة، إذ لا بد أن نتذكر سيرنا باتجاه التقنية يسرا وطواعية، ممَّا يجعلنا مطالبين بتناول هذا النوع من النصوص والمراهنة على كونه ركيزة مستقبل الثقافة العربية وفضاء للتعبير عن إنسان هذا العصر في كينونته التكنولوجية وعالمه الافتراضي.

14