هل ينهي فايروس كورونا العولمة كما نعرفها؟

تفشي الوباء هدية مؤقتة للقوميين وأنصار الحدود المغلقة.
الجمعة 2020/03/27
نظام العولمة يبدو هشا في ظل جائحة كورونا

يرى أنصار البيئة ومنتقدو العولمة ومعارضو الرأسمالية أن الأرض تجدد نفسها اليوم مع ما فرضه فايروس كورونا من تغييرات قسرية ألقت بظلالها على مختلف مظاهر الحياة، وأثرت في البيئة، التي تحسنت إلى حدّ ما، كما في الاقتصاد، الذي يشهد أزمة، وفي النظام العالمي برمته الذي يمرّ بمرحلة إعادة ضبط توازنه، ويعيش حالة مخاض قد تفضي إلى ولادة رأسمالية جديدة من رحم ما يمرّ به النظام العالمي بكل مؤسساته وقواه وعولمته ورأسماليته وبيئته واقتصاده.

لندن - في أعقاب تفشي فايروس كورونا المستجد الذي يجتاح العالم حاليا، ظهرت مجموعة من المقالات التي تنعى العولمة، مثل “تفش عالمي يغذي رد الفعل العكسي ضد العولمة”، و”انتشار الفايروس قد يعجل بالانهيار الكبير للعولمة”، و”هل ينهي فايروس كورونا العولمة كما نعرفها؟”.

وانقسمت الآراء بين من يرى أن الوضع الراهن يبشر بنهاية العولمة بشكلها الرأسمالي الغربي التقليدي، وبين من يرى أن فايروس كوفيد-19 ولئن أغلق الحدود وعطّل سلاسل التوريد، وأوقف حركة السفر في جميع أنحاء العالم، لا يمكن أن يوقف الخطوات طويلة المدى نحو عالم أكثر ترابطا وتشابكا.

وذكرت وكالة بلومبيرغ الأميركية في تحليل، أن الإجابة باختصار هي: لا… لن يقضي فايروس كورونا على العولمة، على الأقل لن يحدث ذلك إذا ما تحدثنا عن العولمة على أنها أمر أكبر من مجرد سلاسل التوريد عبر القارات وسفن الحاويات الضخمة. وعلاوة على ذلك، تقوض إشعارات الوفاة المبكرة، الناجمة عن الفايروس، التحدي الذي تشكله إدارة العولمة في ظل تحول موازين القوى العالمية.

ويركّز العديد من هذه التحليلات على بُعد واحد من العولمة في إطار زمني ضيق: وهو النمو الهائل، وتكامل الأسواق العالمية على مدار العقود القليلة الماضية. وهذه التحليلات لا تتجاهل فحسب المكونات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية للعولمة، ولكن أيضا ما شهدته العولمة من مد وجزر خلال قرن ونصف قرن.

الجغرافيا السياسية الجديدة للعولمة

وبينما يكافح صانعو السياسات في جميع أنحاء العالم للتعامل مع فايروس كورونا وعواقبه، يتعين عليهم مواجهة حقيقة أن الاقتصاد العالمي لا يعمل بالطريقة التي اعتادوا عليها. تدعو العولمة إلى التخصص المتزايد للعمالة عبر الدول، وهو نموذج يخلق كفاءات استثنائية ولكن أيضا نقاط ضعف غير عادية. وتكشف الصدمات، مثل جائحة الفايروس، عن نقاط الضعف هذه.

وقد تكون النتيجة تحولا في السياسة العالمية، حيث مع وقوف صحة وسلامة المواطنين على المحك، قد تقرر الدول حظر الصادرات أو الاستيلاء على بعض الإمدادات شديدة الأهمية، حتى لو كان ذلك سيضرّ حلفاءها وجيرانها. ومثل هذا التراجع عن العولمة سيجعل من صفة الكرم أداة نفوذ أكثر قوة للدول التي تمتلك إمكانيات هذا الكرم.

وحتى الآن، لم تكن الولايات المتحدة رائدة في الاستجابة العالمية لفايروس كورونا، وتنازلت على الأقل عن بعض هذا الدور للصين. يعيد هذا الوباء تشكيل الجغرافيا السياسية للعولمة، لكن الولايات المتحدة لا يبدو أنها تتكيف مع الوضع الجديد، وبدلا من ذلك تبدو مريضة مختبئة تحت الأغطية.

 

فايروس كوفيد- 19 ولئن أغلق الحدود وعطّل سلاسل التوريد، وأوقف حركة السفر في جميع أنحاء العالم، لا يمكن أن يوقف الخطوات طويلة المدى نحو عالم أكثر ترابطا وتشابكا

ويرى المحلل جيمس جيبني أنه على المرء أن يسترجع الأحداث التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما فتحت الإمبريالية العالمية مسارات جديدة للتجارة والاستثمار. وجرى عقد مؤتمرات جديدة شملت مجالات مثل الرياضيات والإحصاء والكيمياء والفلسفة. كما تعاونت السلطات الوطنية المعنية بالصحة العامة من أجل مواجهة أمراض مثل الحمى الصفراء التي انتشرت في رقعة كبيرة وسببت خسائر فادحة من مدريد، إلى هافانا وممفيس، خلال سبعينات القرن التاسع عشر، وقد ساعدت في ذلك الزيادة الكبيرة في التجارة. كما تعاونت أيضا في مواجهة “الطاعون العقدي” أو “الطاعون النزفي”، الذي أصاب المدن الساحلية على نحو دوري خلال العقدين اللذين سبقا اندلاع الحرب العالمية الأولى.

ويقول إنه صحيح أن اندلاع الحرب العالمية الأولى قد حطم السوق العالمية الناشئة وحالة التراخي، أو الرضا عن النفس، التي اتسم بها دعاة الأممية السياسية. في المقابل، أدت التداعيات السياسية والاقتصادية للسلام لاحقا إلى “الكساد العظيم”. ولكن حتى خلال هذه الحقبة، بحسب ما ذكرته المؤرخة إيميلي روزنبرغ، “تسارعت وتيرة تمدد الشبكات العابرة للحدود الوطنية في مجالات العلوم والصحة والترفيه، وغيرها من فروع محددة”.

ورغم تنامي النزعة الأهلانية (القبلية)؛ (نهج سياسي يقوم على حماية مصالح أهل البلاد الأصليين وتقديمها على مصالح المهاجرين) وكراهية الأجانب، والتي أغلقت تقريبا الباب الذهبي للولايات المتحدة خلال عشرينات القرن الماضي، شهدت سنوات ما بين الحربين العالميتين، ظهور منظمات غير حكومية ثرية مثل مؤسسة كارنيغي (1922)، ومؤسسة فورد (1936)، وقد ساهمت المنظمتان في إحداث العديد من التغييرات الاجتماعية والثقافية العالمية.

وعلاوة على ذلك، ورغم أن منظمة “عصبة الأمم” التي أُنشِئـت في فترة ما بين الحربين لم تفلح في الحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، شكلت المنظمة مظلة حكومية عالمية لجميع الأمور، بداية من عقد مؤتمرات لنزع السلاح ومكافحة الاتجار الجنسي وتهريب المخدرات، إلى منظمة العمل الدولية. وقد جرى إحياء هذين العنصرين ضمن منظومة الأمم المتحدة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

واستمر هذا النموذج حتى وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر في عام 2001، والركود الاقتصادي، المرحلة الأخيرة من الأزمة المالية العالمية. وفي الحقيقة، وصلت السياحة العالمية إلى معدلات قياسية بحلول عام 2004، واستمر الربط الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت في الازدياد، كما توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، وحدثت ارتفاعات كبيرة في معدلات التجارة العالمية والاستثمار.

على النقيض من “الكساد العظيم” في ثلاثينات القرن الماضي، لم تسفر الأزمة المالية في 2007 – 2008 عن تراجع في معدلات التجارة العالمية أو الاستثمار. وإذا كان هناك تأثير قد وقع بالفعل، فهو أن الأزمة أجبرت صنّاع السياسات في العالم على أن يدركوا أن الاعتماد المتبادل يتطلب المزيد من التنسيق على المستوى العالمي.

وليس هناك سبيل لإنكار مظاهر الخلل الضخمة التي تسبب فيها فايروس كورونا في ما يتعلق بسلاسل التوريد والتجارة العالمية، وجميع أشكال السفر، ناهيك عن الحياة اليومية (العمل من المنزل). ولكن سلاسل التوريد كانت تمر بتغيرات بالفعل، وقد صارت أقصر وأكثر إقليمية حتى قبل ظهور كوفيد-19.

بالإضافة إلى ذلك، جعل تطور الاقتصاد العالمي الخدمات أكثر أهمية، على نحو نسبي، من السلع. كما صارت الشركات أكثر في ما يتعلق بكونها متعددة الجنسيات، وصار الابتكار أكثر عالمية. والأمر الأكثر جوهرية، هو أن التواصل واسع النطاق والطفرات المتعاقبة في المعلومات الرقمية قد أديا إلى المزيد من تدفق الأفكار والروابط الافتراضية، سواء كان ذلك بين الأفراد أو المؤسسات أو الدول. وهذا أمر لا يمكن عزله.

ورغم ذلك، فإن العولمة في حاجة إلى إدارتها. ولسوء الحظ، كما أظهر رد فعل الولايات المتحدة الذي اتسم مرة أخرى بالفشل في مواجهة تفشي كورونا، لم يكن ذلك رغبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو نقطة قوة لديه.

ورفض ترامب وباء كورونا الذي كان في طور الاندلاع على أنه كذبة حزبية، كما نفى تماما في وقت سابق الأهمية الملحة لقضية التغير المناخي. ويرى الرئيس الأميركي خبرة التكنوقراط على أنها مجرد شكل من أشكال “الدولة العميقة” التي تقاوم جدول أعماله. وفي هذا الإطار، تعد المنظمات متعددة الأطراف التي جرى تأسيسها من أجل التأقلم مع العولمة، سواء كانت الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، انتهاكات لسيادة أميركا، وليست سبيلا لتعزيز النفوذ الأميركي، وزيادة تقاسم الأعباء.

شرذمة الإنترنت

Thumbnail

إن “الأهلانية” ورهاب الأجانب ومهاجمة البيروقراطية الحكومية والمؤسسات العالمية بنود ثابتة في السياسات الأميركية. ولكن في عصر تعاظم المنافسة بين القوى العظمى، وتراجع نفوذ الولايات المتحدة، غير العسكري، فإن هذه البنود لها نتائج عكسية على نحو متزايد. وتعمل الصين التي تتسم بالسلطوية بقوة من أجل إعادة تشكيل النظام العالمي، بهدف تعزيز مصالحها واتباع نهج حاسم، عبر قبضة حديدية، من أجل احتواء تفشي فايروس كورونا، وهو ما جذب لها المزيد من المؤيدين.

ولكن لا يجب على المعجبين بالنموذج الصيني أن يخدعوا أنفسهم: فسوف تقوم قيادة الحزب الشيوعي الصيني في سعادة بـ”شرذمة الإنترنت”، وخفض الشفافية، ونزع الأولوية عن حقوق الإنسان، وترتيب النظام العالمي الليبرالي لصالح بكين.

ويتعين على الولايات المتحدة من أجل التعامل مع هذه الحقيقة تعزيز تحالفاتها، وتقوية المؤسسات متعددة الأطراف التي أسستها من أجل دفع القيم المشتركة، وتبوُّء موقع القيادة في مواجهة التحديات العالمية.

نعم، كانت الجهود التي استمرت على مدار عقود لتعظيم الاستفادة من العولمة وتقليل تكلفة ذلك إلى أدنى حد ممكن، مبالغا فيها، إن لم تكن مضللة. ولكن مجهود “المملكة الوسطى” (الصين) من أجل ملء الفراغ لن يجدي نفعا يرضي الولايات المتحدة. ولكنه، في الحقيقة، سيكون نهاية العولمة كما نعرفها.

ويؤكد جيمس جيبني في نهاية تحليله أنه ليس واحدا من المبشرين بالعولمة، التي هي في جوهرها محايدة في ما يتعلق بالقيم. ويراها سبيلا يقدم فرصا متساوية، سواء لتحقيق البؤس أو السعادة: الأوبئة، واللقاحات، والأنشطة الإجرامية، والأعمال المشروعة، والجهادية، والفاشية، والشيوعية، وأيضا حقوق الإنسان والديمقراطية. ولكن إقامة علاقات ترابط أوثق، سواء من أجل الخير أو الشر، ليست فحسب ضرورية على كوكب صغير في ظل نظام بيئي متهاو، بل هي أمر حتمي.

6