هوليوود الليبرالية تحذّر من عودة العنصرية

"أفضل الأعداء" فيلم جديد يستند إلى قصة حقيقية عن علاقة بين عنصري أبيض وناشطة سوداء.
الجمعة 2019/07/12
من بين طيات الدراما تفيض مشاعر كثيرة

من اللافت للنظر أن الغالبية العظمى من الأفلام التي أنتجت حديثا في هوليوود عن العلاقة بين البيض والسود، مأخوذة عن قصص ووقائع حقيقية، والأمر نفسه ينطبق على أحدث هذه الأفلام وهو فيلم “أفضل الأعداء”.

“أفضل الأعداء” The Best of Enemies، هو أول فيلم يكتب له السيناريو ويخرجه روبين بيسيل عن كتاب بالعنوان نفسه لأوشا غراي دافيدسون، صدر عام 1996، ويروي فيه مؤلفه القصة الحقيقية لعلاقة الصداقة التي ربطت بين ناشطة أميركية سوداء ورئيس فرع منظمة الكوكلوكس كلان العنصرية في مدينة ديربي بولاية كارولينا الشمالية في أوائل السبعينات وامتدت لأكثر من ثلاثين سنة.

كون “أفضل الأعداء” مثله مثل “الكتاب الأخضر” و“الجانب الأعلى” The Upside و“كلانسمان الأسود”، يروي قصة حقيقية معروفة وموثقة، يمنحه دون شك أرضية قوية يستند عليها في الوصول للجمهور الأميركي الذي قد يراوده الشك في إمكانية حدوث مثل هذا التحول المذهل الذي وقع في شخصية رجل ينتمي لأكثر المنظمات عنصرية في التاريخ الأميركي الحديث، بما يجعله يتعاطف مع الذين يعتبرهم أعداءه التاريخيين ويرفض الاعتراف بهم أو حتى مجرد وجودهم.

ضد الخطاب الشعبوي

الصداقة الحقيقية
الصداقة الحقيقية

الواضح أن هوليوود الليبرالية تسعى منذ صعود دونالد ترامب إلى قمة السلطة في البيت الأبيض، إلى تذكير البيض الأميركيين من ناحية، بتاريخهم الأسود في علاقتهم مع الأميركيين -الأفارقة- السود، ومن ناحية أخرى، التحذير من عودة الممارسات العنصرية في وقت يبدو أن الخطاب الرئاسي الرسمي اليميني الشعبوي يدعمها ويقوي شكوتها.

وفي هذا السياق وضمن هذا التوجه يمكن القول إن الفيلم رغم أنه لا يحقق نفس درجة الاستمتاع الذي نشعر به ونحن نشاهد “الكتاب الأخضر” مثلا، إلاّ أنه عمل قوي لا تنقصه الإثارة مصاغ في قالب درامي سينمائي يتشح بالكوميديا ومن خلال بناء تقليدي سلس يسهل على المشاهد المتوسط الثقافة متابعته بل والاستمتاع به أيضا. ومن بين طيات الدراما تفيض مشاعر كثيرة، وتتوارد على الأذهان أفكار مختلفة، دون أن تطغى إحداها على الفكرة الأساسية.

ويتجسد الصراع في الفيلم من خلال التناقض بين الأبيض والأسود، ليس على مستوى لون البشرة فحسب، بل أساسا -بسبب اختلاف لون البشرة- وهو صراع يصطبغ بصبغة عنصرية واضحة.

الطرف الأول، أي السود الأميركيون، هو الطرف المصنف “أدنى”، وبالتالي هو الهدف السهل، المُعتدى عليه، الذي يتم إرهابه بالقوة، وتشريع استبعاده بالقانون وإن لم يكن بالقانون فعن طريق التحايل الذي تمارسه إدارة محلية عنصرية متعسفة تختلق من الذرائع ما يمكن أن يعطل تطبيق القانون على الأرض.

تدور الأحداث في مدينة ديرهام بولاية كارولينا الشمالية عام 1971، حيث يعاني السكان السود من ذوي الأصول الأفريقية، من سوء العيش وتدهور منازلهم ومحاولات إخراجهم منها بالطرد، دون أن يستجيب مالك المنازل الذي يؤجرها لهم لشكاواهم ويصلح ما أفسده الزمن والاستخدام الطويل، كما لا يكلف مسؤولو البلدية أنفسهم عناء الاستجابة لشكاوى السود.

بين نقيضين

آن أتووتر تناضل من أجل الحقوق المدنية
آن أتووتر تناضل من أجل الحقوق المدنية

لكن هناك “آن أتووتر” وهي أم تعيل بمفردها أربعة أطفال، وناشطة سياسية تناضل ضمن حركة المساواة في الحقوق المدنية. هناك قوانين صدرت وأقرت بفعل نضال السود الأميركيين، تقضي بحظر التفرقة بين البيض والسود في ركوب وسائل المواصلات العامة، وفي استخدام دورات المياه والمطاعم والمرافق الأخرى، لكن بقيت مشكلة المدارس المنفصلة حيث لا يسمح بالاختلاط.

وينشب حريق في مدرسة للأطفال السود، تغلق المدرسة، يُشرد الأطفال، يطالب الأهالي بضم أبنائهم إلى المدارس “البيضاء” حيث مستوى التعليم أفضل وأيضا كونها تتمتع بالأمان، لكن رغم صدور قانون فيدرالي يسمح بالاختلاط يتردد القاضي في هذه الولاية في إصدار تشريع من قبله، بل يؤجل صدور التشريع، فهو يريد أن يتأكد أولا من أنه سيصبح مقبولا ولن يؤدي إلى وقوع اضطرابات.

لذا فهو يستعين بشخص (أسود) من ولاية أخرى هو “بيل ريديك” المتخصص في تنظيم ما يسمى بـ“الشاريت” charrette، أي سلسلة من الاجتماعات يجمع فيها بين الطرفين، السود والبيض لمدة أسبوعين، حيث يتناولون الطعام في مطعم مشترك، ويتناقشون في قاعة مشتركة حسب التقاليد الديمقراطية الأميركية، على أن يمثل كل طرف ستة أشخاص، وعلى أن تصدر التوصيات في النهاية بأغلبية الثلثين من الجانبين.

يحرص منشط المؤتمر على أن يضم من السود في قائمة الممثلين السيدة أتووتر، أما من الطرف الثاني فيحرص على ضم أعدى أعداء أتووتر ومن تمثلهم، أي “س. ب. إليس”. فمن هو إليس هذا؟

إنه ليس فقط من المتعصبين ضد الاختلاط مع السود، لكنه أيضا رئيس فرع منظمة الكوكلوكس كلان في المدينة. نراه في بداية الفيلم يقود هجوما مروعا على منزل فتاة بيضاء يطلق عليه مع رفاقه الرصاص بحيث يتم تدميره تماما لأن الفتاة تصادق شابا أسود.

وإليس رجل محدود التعليم يمثل الأميركي المتوسط، يمتلك محطة لتزويد السيارات بالوقود، لديه ثلاثة أبناء منهم ابن متخلف عقليا يرقد في مستشفى الأمراض العقلية بالمدينة.

الفيلم يقدم شخصية السيدة السوداء “أتووتر” كمناضلة تكافح من أجل تحقيق العدالة والمساواة لأبناء جلدتها، لكنها أساسا أميركية، تنتمي لنفس البلاد، وتؤمن بها وتتمسك بعلمها. وسيتعين عليها فقط أن تقبل بوجود هذا الرجل المتطرف العنصري في نفس التجمع معها ومع أقرانها.

ولكنها ستكتشف تدريجيا أيضا الجانب الإنساني المؤلم داخل هذه الشخصية المركبة وتعرف كيف تتعامل معه، وتدريجيا أيضا سيكتشف “س. ب. إليس” أن السود ليسوا أقل أو أدنى وأنهم يتمتعون بالحس الإنساني، ويعانون مما لا يمكن أن يتخيله الرجل الأبيض أصلا، وما لم يتعرض له أبناؤه، كما سيصل إلى إدراك أن تزعمه لمجموعة من المتطرفين البيض، وهو ما كان يمنحه الشعور بالقوة والانتماء، ليس في الحقيقة سوى ستار للعنف ضد السود الذين يكتشف أنّ من بينهم من خدم بلاده في الحرب (فيتنام) التي لم يشترك هو فيها، وأنهم يمكن أن يقدموا للمجتمع خدمات أكثر مما يقدمه هو ورفاقه. ويمكنهم أيضا أن يقدموا الخير للآخر المختلف عنهم، وهنا يقترب الطرفان وتنشأ الصداقة التي تستمر بينهما في الفيلم وفي الواقع.

المشكلة الأساسية هنا أن ما يطرحه الفيلم على هذا النحو ومن دون الخوض في التفاصيل التي تساهم في حصول تطور في شخصية الرجل الأبيض، يبدو تبسيطا شديدا أو قصديا لكي يجمع بين النقيضين، ثم ينتهي النهاية التقليدية السعيدة التي تجعل المشاهدين يشعرون بالسعادة والارتياح، لكنها لا تحل شيئا من المشاكل والتعقيدات الموجودة على أرض الواقع بالفعل.

ربما لا يخدم الفيلم كثيرا كونه يستند إلى “قصة حقيقية”، لكن ما يقوي من موقفه ويجعله عملا دراميا مقنعا، إخلاصه لموضوعه، ومعالجته له بحيث يتدرج في الوصف ويكسو الحبكة بالكثير من التفاصيل والشخصيات الفرعية الملائمة، وينجح مخرجه في تقديم عدد من المشاهد المؤثرة البديعة التي تبقى في الذاكرة.

إنه يجعل المحيط الذي تتحرك فيه المرأة السوداء، أتووتر الناشطة الصلبة التي لا تتراجع أبدا أمام التهديدات، محيطا بغيضا ينضح بالعنصرية. يشترك مدير البلدية مع إليس ورفاقه في التآمر لكي يحضروا الاجتماع الذي اضطر الرجل للسماح لآن أتووتر بالحديث فيه عن مشاكلها ومشاكل جيرانها ورفاقها في السكن، حتى يكونوا سلاحا للتهديد.

وهو يرسل موظفيه لإغلاق دكان يمتلكه رجل أبيض يتمسك بالقيم الليبرالية فيوظف عنده عددا من السود، لإرغامه على التصويت في نهاية المؤتمر ضد السماح باختلاط تلاميذ المدارس. كما أرسل اثنان من أعضاء الكوكلوكس كلان إلى منزل سيدة بيضاء تشارك في وفد التصويت النهائي لترويعها والتهديد باغتصابها ما لم تصوّت ضد مقترح الاختلاط.

من الأقصى إلى الأدنى

المتعة تنبع من الأداء البديع لسام ركويل في دور إليس العنصري
المتعة تنبع من الأداء البديع لسام ركويل في دور إليس العنصري

صحيح أن التطور الذي يحدث في شخصية “س. ب. إليس” يحتل مساحة أكبر في الفيلم، لكن هذا التركيز طبيعي لعدة أسباب، أولها أنه سينتقل من أقصى التطرف إلى الفهم ثم التعاطف ثم رفض انتمائه الضيق للمنظمة العنصرية وتمزيق بطاقة العضوية والتصويت لصالح الاختلاط، رغم ما سيجلبه عليه هذا الموقف من مشاكل.

وثانيا أن الفيلم يتوجه أساسا إلى جمهور الطبقة الوسطى من الشباب البيض (أي جمهور الأغلبية) ورسالته تتلخص في ضرورة التعايش ونبذ العنصرية، وهي رسالة تأتي في وقت عصيب تشهد فيه أميركا صعودا مخيفا لأقصى اليمين الشعبوي العنصري وارتفاع أصوات جماعات التفوق العرقي العنصرية.

وفي المقابل فإن شخصية السيدة أتووتر لا تشهد تطورا دراميا كبيرا على غرار ما يحدث لـ“إليس”، والسبب أنها أقل استنفارا وأكثر قدرة على الفهم والصبر. ولا شك أن دور منشط المؤتمر المحترف بيل ريديك الذي تتهمه أتووتر في البداية بأنه يقوم بدور “العم توم”، يساهم في تعميق فكرة الحوار بين طوائف المجتمع المختلفة حيث يجعل الفيلم يتجاوز فكرة التقارب بين شخصين، إلى التقريب بين الجماعات المتناقضة.

إخراج بسيط ومتين

صحيح أن الإخراج تقليدي، ولكن هناك الكثير من اللمسات الماهرة الرقيقة التي تعكس رهافة حس وبراعة في بناء المشهد. وكمثال على ذلك يجب أن نسرد الجزء التالي: بعد أن يعترض إليس على اختتام أحد الاجتماعات بغناء كنسي ويصفه بأنه الغناء الديني للسود، يسأله ريديك وما المطلوب لتحقيق التوازن؟ فيطالب بوضع شعارات ومطبوعات وأشياء تمثل الكوكلوكس كلان. وتتم الموافقة على هذا، فيقوم بالفعل بإحضار بعض هذه الأشياء لتوضع في مدخل القاعة.

وفي لحظة غضب تقوم مجموعة من الشباب السود بتمزيق أحد المنشورات ونزع قلنسوة الرأس البيضاء المعروفة التي يرتديها عادة رجال المنظمة العنصرية، لكن آن أتووتر تلحق بهم وتوبخهم على فعلتهم وتقول لهم إن “الآخر”، أي العدو، يفتح لهم نافذة لكي يعرفونه من خلالها ويعرفون كيف يفكر.

وتنتزع القلنسوة من يد الشاب وتعيد وضعها فوق رأس التمثال الواقف، لكنها تقف أمامه مباشرة تتطلع في صمت وذهول ورعب في الفتحتين اللتين تلوح من تحتهما عادة العينان. تقف متصلبة في مكانها لبرهة. ونشعر نحن بما يدور في رأسها من مشاعر. إنها تشعر بالذعر لمجرد استدعاء الفكرة.. أن تكون قبالة رمز لأبشع اعتداء وترويع للسود الآمنين في التاريخ الأميركي الحديث!

ربما كان يجب الاهتمام بتصوير كيف تتم المناقشات داخل “الشاريت”، أي تلك التجمعات المشتركة، وماذا كانت تناقش بالضبط، وربما كان يمكن أن يتعمق الفيلم أكثر في بناء شخصيات مثل زوجة إليس التي تظهر من البداية أكثر استعدادا للتقارب والتعايش (دون أن نعرف السبب)؟ ورغم ذلك ترضخ لمسلك زوجها ولا تعترض، كذلك شخصية المنشط نفسه الذي بدا أقرب ما يكون إلى راهب “مسيحي” طيب متسامح على استعداد لأن يدير خده الأيمن لخصمه، ولا يتوانى عن مناداة عضو الكوكلوكس كلان بـ”أخي”.

لكن متعة الفيلم تنبع أيضا من الأداء البديع لكل من سام ركويل في دور إليس العنصري في امتداد لشخصيته كضابط عنصري عنيف في فيلم “3 لوحات إعلانية خارج إيبنغ، ميسوري” الذي فاز عنه بأوسكار أحسن ممثل ثانوي، والممثلة تاراجي هنسون، التي خضعت في هذا الفيلم لعمليات ماكياج كثيرة غيّرت من مظهرها كثيرا وجعلتها تبدو أكبر كثيرا من عمرها الحقيقي، كما فقدت الكثير من جمالها الطبيعي وصارت أكثر ترهلا، لكي يمكنها أن تحاكي الشخصية الأصلية.

وسوف نرى الشخصية الأصلية مع صديقها الحقيقي س. ب. إليس (العنصري التائب) في الشريط التسجيلي الذي يعرض في نهاية الفيلم مع نزول العناوين الختامية.

16