واقع النشر والكِتاب بالمغرب

ثلث المنشورات من الكتب في المغرب على نفقة الكتاب أما الناشرون فيبحثون عن مزيد من الدعم.
السبت 2019/11/09
مطابع قديمة شاهدة على الماضي

قبل قرن ونصف، حل فقيه مغربي ينحدر من منطقة سوس الواقعة بجنوب المغرب، بالقاهرة. وقرر، في ظروف ما، أن يقتني مطبعة ليحملها معه إلى المغرب، مصحوبا بمطبعجي مصري، التزم الفقيهُ بتحمل نفقاته وأتعابه. وبحلوله إلى ميناء مدينة الصويرة المغربية، صودرت المطبعة ليتم استعمالها، بعد مدة، من طرف السلطات المغربية. غير أنه بوصول المطبعة إلى المغرب، يكون الروداني، دون أن يدري ربما، قد أدخل البلاد إلى مرحلة جديدة من التواصل والتي تجلت بعض مظاهرها في عقود من إنتاج المطابع الحجرية التي ستعرفها مدينة فاس، لتصل أصداؤها إلى عدد من بقاع المغرب مؤسسةً بذلك لما سماه الباحث العراقي فوزي عبدالرزاق بـ”مملكة الكتاب”. والحقيقة أن المغرب سينتظر عقودا طويلة لكي تكتمل بعض معالم هذه المملكة. وهي معالم تنتظم في إطار حلقات تبدو مترابطة وتتوزع على المطابع ودور النشر وشبكات توزيع الكتاب، بالإضافة إلى حلقتين حاسمتين ترتبطان بالكاتب وبالقارئ.

مطابع أقل وحاجيات أكبر

سيظل عامل التأخر الذي عرفه دخول الطباعة إلى المغرب سحابة ستؤرق، إلى حد الآن، مسارات تطور الحلقات السابقة. ففي ما يخص مجال الطباعة، لم يكن عدد مجمل المطابع بالمغرب، بما فيها الوحدات الصغيرة وتلك التي تختص في طبع كل شيء إلا الكتاب الثقافي، يتجاوز 125 مطبعة خلال سبعينات القرن الماضي، وانتقل هذا العدد إلى حوالي 500 مطبعة، مع بدايات الألفية الجديدة. وهو ما يشكل حوالي خمسة بالمئة من مجموع وحدات الصناعة التحويلية بالبلد.

ولا تتجاوز وتيرة تأسيس المطابع بالمغرب، بمختلف أحجامها ومجالات اشتغالها سبع مطابع في السنة. وهو ما يظل بالتأكيد دون الحاجيات التي تتزايد باستمرار، على مستوى طبع الكتاب الثقافي وبشكل أكبر على مستوى طبع الكتاب المدرسي.

وفي ما يخص طبيعة ومجالات الإنتاج، يظل طبع الكتاب الثقافي، في كثير من الأحيان أمرا ثانويا بالنسبة إلى أغلب هذه الوحدات. فمشروع اقتصادي بحجم مطبعة لا يمكن رهنه بطبع دواوين شعرية لا يتجاوز عدد سحبها، في أفضل الأحوال، الألف نسخة. ومطبعة الأندلس بالدار البيضاء خير مثال على ذلك. فهذه المطبعة التي تحمل اسمَها أغلفةُ أغلب الأعمال الشعرية لجيل شعراء السبعينات، ومجموعة هامة من أعداد أشهر المجلات الثقافية بالمغرب، ومنها مجلة “الثقافة الجديدة” التي أطلقها الشاعر محمد بنيس، صارت الآن أقرب إلى حالة الإفلاس، ومنقذها الوحيد الآن هو طبع بعض الوثائق الإدارية والملصقات. وهو بالتأكيد حال مطابع أخرى كانت خلال لحظات ما تناضل ثقافيا بطريقتها لتكون مجبرة الآن على الخضوع لمنطق السوق، ولمنطق التجارة والمنافسة التي أتت على وجود عدد منها.

ويظل طبع الكتاب المدرسي أحد الخيارات الأفضل لعدد من هذه المطابع، بل إن هذا الخيار كان وراء تأسيس مطابع جديدة وتحديث تجهيزات أخرى، وخلط أيضا كثيرا من الأوراق من خلال تحول مطابع إلى دور نشر، واندماج دور أخرى، وتحول دور نشر ثقافية إلى دور لطبع الكتاب المدرسي. والسبب في ذلك يعود إلى إطلاق مسلسل تحرير الكتاب المدرسي ومنح إمكانية طبعه من طرف الناشرين، مع بداية الألفية الجديدة. وهو الأمر الذي فتح شهية الحصول على حق طبع كتاب أو أكثر يضمن سحبا قد يتجاوز المليون نسخة، مع إمكانية إعادة الطبع مع توالي السنوات، حيث بلغ السحب العام من الكتاب المدرسي، مع بداية تحريره، أربعة عشر مليون نسخة. وهو عدد من المرشح أن يتضاعف مع توالي تعميم تحرير الكتاب المدرسي على مستويات دراسية أخرى.

النشر تجربة حديثة

العديد من دور النشر المغربية حققت الشيء الكثير على مستوى فتح آفاق جديدة للكتاب الثقافي المغربي.
العديد من دور النشر المغربية حققت الشيء الكثير على مستوى فتح آفاق جديدة للكتاب الثقافي المغربي

فتح دخول الطباعة الحجرية إلى المغرب هامشا لخلق بعض تقاليد النشر، حيث ظهر بعض المشرفين على طبع الكتب التي كان أغلبها في علوم الفقه. ومن هؤلاء محمد بنونة الذي طبع الكتاب الشهير “الإتقان والإحكام” لميارة. بل إن بعضهم قد خلق بعض أشكال النشر المشترك، خصوصا في حالات الأعمال الضخمة التي تقتضي إمكانيات أكبر، كما هو الأمر بالنسبة إلى التعاون بين عدد من العلماء من أجل طبع كتاب “المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب” للمهدي بن محمد بن الخضر الوزاني، في أحد عشر مجلدا.

في مقابل ذلك، سيتأجل ظهور دور النشر، بمفهومها الحديث، إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، خصوصا مع ظهور دار توبقال للنشر التي كان وراء تأسيسها، سنة 1985، الشاعر محمد بنيس والباحث عبدالجليل ناظم، وأيضا مع ظهور دار الفنك التي أسستها ليلى الشاوني في السنة نفسها. أما دور النشر التي تعود تواريخُ تأسيسها إلى فترة سابقة فلم تكن أصلا مؤسسات للنشر، وإنما مكتبات للبيع أو للتوزيع لتشمل أنشطتها في ما بعد النشر. وهو الأمر الذي ينطبق، على سبيل، على مكتبة المدارس بالدار البيضاء التي تأسست في عشرينات القرن الماضي، ودار الكتاب التي تأسست في الأربعينات من نفس القرن. وترجع العوامل التي حفزت ظهور حركة النشر خلال الثمانينات إلى تراجع مركزية النشر العربي على مستوى بيروت بسبب ظروف الحرب الأهلية، وإلى عوامل اقتصادية محلية ترتبط بانخفاض قيمة الدرهم المغربي، بشكل جعل استيراد الكتاب الأجنبي مكلفا.

ومع توالي السنوات، حققت مجموعة من دور النشر المغربية الشيء الكثير على مستوى فتح آفاق جديدة للكتاب الثقافي المغربي. ومن علامات ذلك وصول المنشورات المغربية إلى بيروت والقاهرة وعواصم الخليج وغيرها من العواصم الثقافية، وحضور الكِتاب المغربي كضيف شرف على كبريات المعارض الدولية الكبرى. كما أن الحصيلة السنوية على مستوى الإصدارات تعرف تزايدا مستمرا. غير أن إنتاج دور النشر المغربية، بشكل عام، يظل دون مستوى عدد القراء المفترضين الموزعين على بقاع المغرب أو خارجه. فمجمل إنتاج الدور المغربية، ظل إلى حدود قريبة، يقارب الثلاثة آلاف عنوان سنويا، قبل أن يتضاعف الرقم قبل سنة، بفضل دعم وزارة الثقافة والرياضة والشباب.

وفي ما يخص معدلات سحب الكتاب الثقافي، تكشف الدراسة، التي كنتُ قد أنجزتها لصالح وزارة الثقافة المغربية ومنظمة اليونسكو، عن كون هذا المعدل يقارب الألفي نسخة. وتنبه الدراسة إلى أن الرقم يبدو أكبر من الواقع العام، خصوصا أنها شملت دور النشر بمحور الدار البيضاء-الرباط، حيث تتمركز دور النشر الكبرى. وقد لا يتجاوز المعدل الألف نسخة لدى عدد من الدور خارج هذا المحور. على الأقل حسب الأرقام التي يعلنها الناشرون أنفسهم. ويثير ذلك أيضا أكثر من سؤال. فالناشرون يشتكون دائما من ضعف السحب ومن ارتفاع عدد المرجوعات، والكُتاب يرددون، من جهتهم، الأغنية القديمة التي تجعل الناشر متحايلا.

كُتاب ناشرون بالإجبار

تكشف الدراسة السابقة عن هيمنة العناوين الصادرة على نفقة المؤلفين على حساب العناوين الصادرة عن دور النشر.

ويثير حجم الإنتاج المنشور على نفقة الكُتاب أكثر من سؤال، خصوصا، من جهة، لكون أغلبه منشور باللغة العربية، ثم لتركزه، من جهة ثانية، على مستوى الأعمال الأدبية، حيث إن أكثر من نصف الأعمال الأدبية المنشورة خلال القرن العشرين قد صدرت على نفقة أصحابها. وترتفع النسبة لتبلغ الستين في المئة على مستوى الأعمال الشعرية.

وبذلك، تختل حلقات صناعة الكتاب. فالكاتب الذي من المفروض أن تنتهي وظيفته عند صدور الكتاب يتحول إلى مُدَبر لمبيعاته ومرجوعاته. أما أغلب الذين يلجأون إلى النشر على نفقتهم، سواء بطريقة مكشوفة أو مقنَّعَة، فأسبابهم عديدة. فمنهم الكاتب الذي أُغلقت أمامه دور النشر ومنهم من يستعجل الوصول إلى مجد مفترض. ومنهم من يكتفي بطبع بضع نسخ ليحمل صفة كاتب.

15