.. وتبقى الأغاني

الحملة التي تعرضت لها الفنانة لطيفة بسبب أغنية وطنية، تكشف الجانب الدكتاتوري للديمقراطية الشعبوية، وتفضح حقيقة المدافعين عن حرية التعبير ممن تطوّعوا لإدارة تلك الحملة والمشاركة فيها.
الخميس 2021/08/05
الأغنية مهما اختلفنا حول قيمتها تبقى بعد أن تزول ثرثرات منتقديها

فجأة انقلبت الدنيا على الفنانة لطيفة التونسية بسبب أغنية وطنية تم بثها لأول مرة بعد التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، رغم أن جميع المؤشرات تؤكد أنها لم تسجل بالمناسبة، وإنما يعود إنتاجها إلى سنوات خلت، وقد تكون صاحبتها اختارت أن تحتفظ بها في درج مكتبها إلى أن وجدت الفرصة الملائمة لطرحها.

ما قالته لطيفة في الأغنية، يقوله يوميا السياسيون المحترفون والطارئون والصحافيون والإعلاميون والمحللون والباحثون ورجال الدين والمواطنون العاديون في برامج الإذاعة والتلفزيون وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أحد يعترض عليهم، باعتبار ذلك حقا مقدسا من حقوق الإنسان في مجتمع يعتبرونه ديمقراطيا، ولكن عندما تنقل فنانة مشاعرها أو موقفها السياسي في أغنية تتعرض للقصف والرشق من ذات تلك الجهات التي تزعم الدفاع عن حرية التعبير.

الأغنية ببساطة تقول “يحيا الشعب يحيا الشعب، يسقط كل عدو للشعب” ومثل هذه الكلمات يزايد بها الجميع على منصات الخطابة اليومية في بلد يقول المدافعون عن حصاد سنواته العشر الماضية، إنه لم يحقق سوى حرية الكلام، لكن حالة الشيزوفرينيا التي يعاني منها مجتمع النخبة جعلت الكثيرين من أفراده، يعتبرون أن الغناء الوطني يذكرهم بزمن الاستبداد، بمعنى أن زمن الديمقراطية لا يحتاج للفن والأناشيد، وإنما يكتفي بأغاني “الراب” وهذر المحللين السياسيين، وإن كان لابد من الغناء العادي، فليكن بعيدا عن السياسة والقضايا الوطنية، خصوصا إذا جاء بأصوات كانت تغني قبل مجيء الحاكمين بأمرهم حاليا في الذوق والمزاج وتوجيه الرأي العام.

في تجربة كتلك التي تعيشها تونس، تحوّلت الديمقراطية إلى أداة لتفكيك المجتمع وتخريب الذوق العام والتلاعب بالرأي العام عبر أجندات مصطنعة واحتكار وسائل الإعلام من قبل من يعتبرون أنفسهم أوصياء على حرية التفكير والتعبير، وتحويل مبدأ الرأي والرأي الآخر إلى تكريس دكتاتوري للرأي الواحد عبر ترذيل الرأي المخالف ضمن لعبة تبادل الأدوار داخل الإطار الواحد، وتوجيه القصف المباشر إلى الآخر لأسباب قد لا تتجاوز الذوق أو المزاج الخاص، مع تغليب فكرة العداء المجاني لمن لا غطاء سياسيا أو اجتماعيا له، وتجيير شعارات الليبرالية والتقدمية لخدمة أجندات أبرز أهدافها الانقلاب على كل قيمة سابقة بغاية تكريس قيم جديدة ولو كانت وهمية.

ولذلك، يبدو أن الديمقراطية بهذا الشكل، هي أخطر على المجتمعات من الأنظمة الاستبدادية والعسكرية، باعتبار أن أكبر أعدائها هم مدّعو الدفاع عنها، ولذلك فإن تسامحها قمعي، وتقدميتها رجعية، وليبراليتها مقيدة، وحرية التعبير فيها مرتبطة بمصالح المستفيدين منها، باعتبار أنهم من يمتلكون المنصات المجيّرة لخدمة المموّل سواء كان معلنا أو خفيا، والإقصاء فيها عملية يومية تستهدف من يمثلون خطرا على مجموع الدائرين في فلك الوهم الديمقراطي الزائف.

الحملة التي تعرضت لها الفنانة لطيفة بسبب أغنية وطنية، تكشف الجانب الدكتاتوري للديمقراطية الشعبوية، وتفضح حقيقة المدافعين عن حرية التعبير ممن تطوّعوا لإدارة تلك الحملة والمشاركة فيها، والذين لم ينظروا إلى الأغنية كموقف حر من مواطنة تونسية من حقها أن تتفاعل مع مجريات الأحداث في بلادها وأن تعبر عنها بالشكل الذي تراه مناسبا، وإنما حاولوا أن يجعلوا منها إسقاطا للحالة المصرية بخصوصياتها المحلية، دون أن ينتبهوا إلى أن الفن، هو الأقدر على التأريخ للأحداث من وجهة نظر مبدعيه، وأن الأغنية مهما اختلفنا حول قيمتها تبقى بعد أن تزول ثرثرات منتقديها.

بعد ثورة يوليو 1952، هناك من الضباط الأحرار من انتقد أم كلثوم وعبدالوهاب بسبب غنائهما للملك، وبعد وفاة عبدالناصر شنّ الساداتيون حملة على من غنى لعبدالناصر، واليوم يمكن بكبسة زر الاستماع لأغاني تمجد الملك فاروق وعبدالناصر والسادات وحسني مبارك وعبدالفتاح السيسي، لقد بقيت الأغاني وذهب منتقدوها طي النسيان.

24