ورقة المختفين قسريا وسيلة إخوانية للضغط على مصر

ضبط عناصر من جماعة الإخوان في السودان يفضح المتاجرة بهم سياسيا.
الأربعاء 2021/10/06
محاولات إخوانية فاشلة لتشويه الدولة

لطالما شكلت ورقة المختفين قسريا وسيلة إخوانية للضغط على مصر وتشويه أجهزتها الأمنية عبر تصوير ما يجري على أنه اعتقال تعسفي واختفاء قسري للمئات من الشباب والفتيات المحسوبين على المعارضة الإسلامية أو المدنية. إلا أن ضبط عناصر من الجماعة في السودان منتمين إلى تنظيم داعش، مؤخرا، فك لغز هذا الملف بعد أن اتضح كيف باتت الخرطوم نقطة التقاء بين الإخوان والتنظيمات المتطرفة لتجميع عناصرهم واستكمال أجنداتهم، وكيف تاجرت بهم الجماعة في محاولة فاشلة لكسب تعاطف الأوساط الحقوقية في العالم.

القاهرة – كشف القبض على فتاة مصرية ضمن خلية داعش في السودان مؤخرا، جانبا من المتاجرة السياسية بورقة المختفين قسريا، حيث زعمت مواقع تابعة لجماعة الإخوان أنها اختفت بعد أن جرى احتجازها من قبل أجهزة الأمن المصرية منذ سنوات ليتضح الآن أنها هربت إلى السودان.

ووضح أن الخلية التي قتلت خمسة عناصر من جهاز المخابرات السوداني الأسبوع الماضي تضم عناصر من دول مختلفة لكنها تتسم بأكثرية مصرية، ومن ضمن الموقوفين آية حسن عبدالسلام أبوالسعود من مواليد 1977 وتقيم في مدينة ببا بمحافظة بني سويف جنوب القاهرة، وهي عضو بجماعة الإخوان زعمت الجماعة في العام 2019 أنها مختفية قسريا على يد الأمن المصري، بالإضافة إلى صديقتها أسماء عبدالباسط.

من أبرز العناصر المقبوض عليها في السودان، محمد أحمد محمد وهو مصري واسمه الحقيقي أكرم عبدالبديع 31 عاما وهو عنصر قيادي شاب بجماعة الإخوان صدرت أحكام قضائية ضده في العام 2014، وهرب من مصر إلى السودان وشكل هناك مع زوجته الناشطة السابقة بتنظيم الإخوان آية حسن عبدالسلام خلية مسلحة.

سياسة مزدوجة

السودان بالنسبة إلى التكفيرين والإخوان يعد مركزا لتجمع عناصرهم من المنطقة، ومن ضمنهم من زعمت الجماعة اختفاءهم قسريا
السودان تحوّل إلى نقطة التقاء للتنظيمات المتطرفة

استفادت الجماعة من توظيف هذا الملف لدى الجهات الدولية والاستعانة بعدد من منظمات حقوق الإنسان وجهود سياسيين معارضين بالخارج، مثل نائب رئيس الجمهورية في مصر السابق محمد البرادعي، بغرض تشويه مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية عبر تصوير ما يجري على أنه اعتقال تعسفي واختفاء قسري للمئات من الشباب والفتيات المحسوبين على المعارضة الإسلامية أو المدنية.

وهدفت تلك السياسة المزدوجة التي انتهجتها جماعة الإخوان منذ عام 2013 إلى تعويض الخسائر السياسية التي منيت بها عقب إسقاط الرئيس محمد مرسي، والبقاء في مشهد الأحداث بتوظيف الملف الحقوقي وتشكيل نوع من الضغط على الحكومة، لأن مصر من ضمن الدول الموقّعة على اتفاقية منع الاختفاء القسري.

علاوة على محاولة إلهاء الأجهزة الأمنية التي شرعت منذ ذلك الحين للتصدي لإرهاب جماعة الإخوان التي تحالفت على الأرض مع تنظيمات السلفية الجهادية لاستعادة سلطتها بالقوة، وهو ما دفع قادة الإخوان إلى تبني حملات دعائية ممنهجة بالخارج لتشويه صورة الأجهزة المصرية.

سبقت آية عبدالسلام حالات كثيرة مشابهة ومن أشهرها عمر إبراهيم الديب، وهو نجل أحد قيادات الإخوان المعروفين الذي ظهر بفضائيات الإخوان زاعما اختفاء ابنه قسريا على يد جهاز الأمن المصري وأنه توفي بالسجن تحت التعذيب، وبعدها خرج عمر في فيديو بثه تنظيم داعش متفاخرا بمبايعته لأبي بكر البغدادي، وأنه توفي في سيناء أثناء تنفيذ إحدى العمليات الإرهابية هناك.

تكررت القصة كثيرا بنفس السيناريو مع العشرات من شباب الإخوان الذين لجأوا للانضمام لداعش، ومن النماذج الشهيرة طالب الهندسة محمد مجدي الضلعي الذي ورد اسمه ضمن قوائم الإخوان المختفين قسريا، ثم اتضح لاحقا أنه بعد أن كان ناشطا في حركة حسم المسلحة التابعة للإخوان انضم لتنظيم داعش، وظهر في أحد فيديوهاته باسم أبومصعب المصري داعيا إلى قتال عناصر الجيش والشرطة المصرية.

تحت هاشتاغ “خطفوا العريس” ادعت كوادر الإخوان أن زميلهم عبدالرحمن أسامة اختفى قسريا على يد الأمن المصري واتضح لاحقا أنه عضو بحركة حسم المسلحة وضمن من لقوا مصرعهم خلال مداهمة الأمن لأحد مخابئها في نوفمبر الماضي.

من النماذج النسائية في سياق قضية الاختفاء القسري كانت الفتاة زبيدة التي ظهرت في تقرير لـ”بي.بي.سي” كمختفية قسريا، وبعدها خرجت الفتاة في فضائية مصرية تنفي ذلك، وتؤكد أنها لم تختف وأنها متزوجة بمحض إرادتها من شخص ربطتها به قصة حب.

استثمار سياسي

قادة الإخوان تبنوا حملات دعائية ممنهجة بالخارج لتشويه صورة الأجهزة المصرية التي شرعت منذ 2013  في التصدي لأجنداتهم
قادة الإخوان تبنوا حملات دعائية ممنهجة بالخارج لتشويه صورة الأجهزة المصرية التي شرعت منذ 2013  في التصدي لأجنداتهم

استثمر قادة جماعة الإخوان هذا الملف أمنيا للتغطية على العمليات الإرهابية التي ترتكبها عناصر إخوانية هاربة بالداخل المصري أو بدول الجوار وغلّ يد أجهزة الأمن عن إحباط المخططات الإرهابية للجماعة وملاحقة عناصرها المتورطة في الإرهاب.

وظفت الجماعة هذا الملف سياسيا وشنت حملات دعائية ضخمة ممولة من التنظيم الدولي للجماعة وعبر تنشيط عدد من منظمات المجتمع المدني، بالنظر إلى خطورة اتهام دولة ما في نظر القانون الدولي بممارسة الاختفاء القسري ضد مواطنين أبرياء.

ويُعرف الاختفاء القسري في أدبيات الأمم المتحدة بأنه الاحتجاز أو الاختطاف وأي شكل من أشكال الحرمان من الحرية على أيدي موظفي الدولة أو بأيدي مجموعات أو أفراد بدعم من الدولة ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته وإخفاء مصيره ومكان وجوده ما يحرمه من حماية القانون.

على ضوء ذلك حركت جماعة الإخوان الأذرع الحقوقية التابعة لها بهدف الترويج لمظلومية الجماعة في الخارج وتبرئتها من ارتكاب عمليات عنف مسلح، زاعمة أن الأجهزة الأمنية في مصر تتعمّد خطف ناشطيها وبعدها تتخلص منهم لاصقة تهم الإرهاب وتنفيذ عمليات عنف بهم.

وعرضت أذرع الجماعة الإعلامية هذا الملف بتفاصيله بشكل إنساني مؤثر لجلب تعاطف الجهات الدولية واعتمدت على جهود ونشاط مؤسسات حقوقية دولية، مثل هيومان رايتس ووتش والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، وما يبذله سياسيون يتبنون روايات الجماعة مثل الدكتور محمد البرادعي الذي دأب عبر تغريداته على التهويل في هذا الملف، إلى درجة مطالبته بعرضه على المحكمة الجنائية الدولية بوصفه جريمة ضد الإنسانية.

السودان بالنسبة إلى التكفيرين والإخوان مركز لتجمع عناصرهم، ومن ضمنهم من زعمت الجماعة اختفاءهم قسريا

ارتبط ملف الاختفاء القسري بعنف الجماعة حيث تتوخى تصوير نفسها لدى الرأي العام الخارجي كبريئة من العنف والإرهاب الذي جرى ارتكابه طوال السنوات الماضية منذ 2013، وتوظيفه ضمن وسائلها في تجاوز أزماتها على مختلف المستويات، سواء أزمة انكشاف أدوارها في دعم وتمويل النشاط الإرهابي محليا وإقليميا أو أزمة الانقسام الداخلي وفقدان الموارد الاقتصادية المهمة للجماعة بمصر وبدول عربية وغربية.

وتكمن مسؤولية الدولة المصرية حيال ملف الاختفاء القسري ليس في كشف الحقائق المغايرة لما يروّج له قادة وعناصر الإخوان بالتأكيد أن جميع الموجودين في السجون محبوسون احتياطيا بقرارات من النيابة العامة أو محتجزون لتنفيذ أحكام قضائية صادرة ضدهم، فضلا عن رجال الأعمال وعناصر الصفين الثاني والثالث للجماعة الذين ادعت منظمات حقوقية أنهم مختفون قسريا، وهم في الواقع محبوسون على ذمة قضايا تمويل مالي للعنف وعمليات نوعية للإخوان وداعش.

يتضمن هذا الجهد التقليدي الذي تبذله الحكومة ما يوثقه المجلس القومي لحقوق الإنسان في تقريره السنوي، الذي يفصح عن ردود الأجهزة الأمنية المصرية عن انخراط عناصر إخوانية تروج الجماعة لاختفائهم قسريا بخلايا عنف مسلح تابعة للإخوان، مثل حركة حسم وتنظيم داعش.

من اللازم أن تتسع جهود الحكومة لتشمل الإجابة على مختلف التساؤلات التي تطرح في سياق هذا الملف في الأروقة الدولية وأمام المجلس العالمي لحقوق الإنسان بجنيف عبر ممثلين عن النائب العام المصري، بشأن كل ما يتعلق بقضية الاختفاء القسري وعرض التدابير التي تتخذها السلطات المصرية لمجابهة الظاهرة ومكافحتها، والتطرّق للتحقيقات الخاصة بالنيابة العامة لكل البلاغات ذات الصلة بما تروّجه جماعة الإخوان.

يتطلب هذا الإثبات بالأدلة المفصلة أنه ليس كلّ تغيب يُعد اختفاء قسريا وأن هناك العديد من الحالات اختفت لالتحاقها بجماعات إرهابية وخلايا مسلحة، علاوة على الاختفاء بسبب أوضاع اجتماعية مثل الثأر والزواج بغير رضا الأهل.

تفكيك الألغاز

Thumbnail

فك القبض على خلية العنف التي قادها مصريون في جنوب الخرطوم وانخرطت بها واحدة ممن زعمت حركة الإخوان إختفاءها قسريا بعضا من ألغاز هذا الملف المعقد الذي جرى الاستفادة منه سياسيا وأمنيا من قبل الجماعة.

ذلك لأن السودان ظل يمثل طوال سنوات ما بعد سقوط الجماعة في مصر بيئة مواتية للعديد من التنظيمات التكفيرية المسلحة، فهو كان قبلة لمن خسروا تمركزهم وملاذهم في كل من العراق وسوريا وأيضا في سيناء وباقي محافظات مصر، وظلت الخرطوم ساحة مهمة لتكريس نفوذ الجماعات التكفيرية عبر الامتداد الأفريقي الذي تعاني دوله من هشاشة في المؤسسات والجيوش وعدم سيطرة أمنية على الحدود المشتركة.

ووضح أن عددا كبيرا من العناصر المتطرفة التي هربت من مصر في أعقاب ثورة يونيو 2013 ضد حكم الإخوان والتي انتقلت لاحقا للقتال في سوريا والعراق جرى تدريبها أولا في معسكرات داخل السودان، واستقبلت تلك المعسكرات عناصر إرهابية من دول شرق أفريقيا، والتي اتخذت من السودان ساحة تدريب وإعداد ودعم لوجيستي مستفيدة من موقعه الجغرافي ومن الحدود الهشة بين الدول في نطاقه الجغرافي. ونظر التكفيريون وقادة الإخوان إلى السودان طوال هذه الفترة باعتباره مركزا لالتقاء وتجمع عناصرهم الآتين من المنطقة العربية والأفريقية.

وفّرت تلك البيئة المواتية مساحات من الحرية للتشكيلات المصرية الإخوانية الهاربة، وضمنهم من زعمت الجماعة اختفاءهم قسريا، إلى درجة أن هناك تنظيما إرهابيا جديدا بعنوان غريب عن عناوين أفرع داعش الأخرى هو من أعلن مسؤوليته عن عملية قتل عناصر المخابرات السودانية الخمس، ويحمل هذا التنظيم اسم “التيار الرسالي للدعوة والقتال- ولاية السودان” وهي جماعة جديدة تتبرأ من داعش، ويبدو أنها نتاج جهود عناصر الإخوان والجماعة الإسلامية المصرية الهاربين في السودان.

وقد أعلنت تلك الجماعة بالفعل مسؤوليتها عن العملية في بيان نشر على فيسبوك قالت فيه “تمكن مجاهدو التيار الرسالي للدعوة والقتال من دك صفوف المرتدين والعملاء وإحداث خسائر بشرية أسفرت عن مقتل 6 من قيادات القوة المهاجمة بينهم عدد اثنين ضابط رفيع وثلاثة من ضباط الصف وأسفرت العملية الغادرة عن القبض على 11 من مجاهدي التنظيم”. كما أعلنت هذه الجماعة لأول مرة في سياق منشورها المشار إليه تبنيها لمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك في مارس 2020.

تكشف تلك التطورات المزيد من المعلومات التفصيلية بشأن عناصر الإخوان الهاربين للخارج خاصة في السودان وليبيا وقبلهما سوريا، حيث إن غالبيتها انخرطت في التخطيط والتدبير لتنفيذ عمليات إرهابية تدعم موقف الإخوان السياسي والأمني في مصر.

13