ولاة الفقيه والحريدم معا: الرب يكفينا كورونا

تغييب العقل وادعاء الحماية الربانية، في زمن كورونا، ليس قاصرا على دين أو طائفة.
الخميس 2020/04/09
متشددو الحريدم نسخة من ذهنية الولي الفقيه

أوجه شبه كثيرة تجمع بين تعامل دولة الولي الفقيه في إيران مع تفشي فايروس كورونا، وتعامل متشددي “الحريدم” في إسرائيل. العقل الديني الكامن في المثالين استعاض عن الأجوبة العلمية بأجوبة اتكالية ربانية، فكان أن زاد انتشار الفايروس في مناطق نفوذ العقلين، في قم وبني براق.

حُجر على أقدس مشاعر المسلمين، وألغي الحج.. الفريضة الأعظم، والعمرة لعشرة شهور، وعطلت الصلوات في الفاتيكان الكاثوليكي وكنائس الشرق الأرثوذكسية. في المقابل تحركت قوات الباسيج، شرطة ولاية الفقيه الفارسية، وحشود من “المؤمنين” لفتح ضريحيْ المعصومة فاطمة في قم والإمام الرضا في مشهد الإيرانيتين، بعد أن أغلقتهما السلطات الصحية للحد من تفشي كورونا، بالتوازي مع حرب شوارع خاضها الحريدم في القدس المحتلة لمنع إجراءات صحية رأوها تمس “سلطة الرب”.

قوس شكلته تمردات سلفي/ حريدم عقائد مختلفة على قواعد العلم والسلامة الصحية، وسط وباء يستنزف البشرية. قوس اخترق الحدود الدينية على تناقضاتها، لكنه اتفق على تغييب العقل، محتميا بتوهمات حماية “ربّانية”. لا نتحدث عن سلوك فرد أو جماعة، بل عن مفاهيم فقهية تعود بدماغ بعض البشر إلى ما قبل الحضارة، متجاهلة تراكمات العلم عبر آلاف السنين.

كانت أجواء قم، ومازالت، مصدر الوباء داخليا و”شيعيا”، ورغم هذه الحقيقة الملموسة، تستّر عقل ولاية الفقيه خلف حالة إنكار ترفض الربط بين ما يراه مقدسا وبين مرض ما. وفي توجه عكسي أفتى المرشد الأعلى للمنظومة ودوائر مرجعياته، بأن العلاج يتحقق بالدعاء وبزيارة مصدر الداء قم! ليُغرقَ الشعوب الإيرانية في موجات من تفشي الفايروس، لا يعلم أحد مداها، لكنها تبقى الأكبر خارج الغرب.

هكذا رأينا العشرات من الفيديوهات لعمائم سوداء تعزف على نغمة إنكار ما تعيشه هي نفسها، وأودى بحياة تروس بارزة في ماكينتها الدينية، وسخر بعضها من تطهير فضاءات الأضرحة والمزارات بمواد كيمياوية.. “كيف وهي تُزارُ أصلا للشفاء من الأمراض”. هكذا اعتقدوا أنهم أفحموا دعاة تحكيم العقل، واللجنة الوطنية لمكافحة كورونا التي كلفتها حكومة حسن روحاني بإدارة ملف الوباء.

تبدو اللجنة الإيرانية مغردة خارج طبيعة الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، فمنظومة ولاية الفقيه لا تعرف منطق الأمور ولا البديهيات العلمية، لتنفرد بين الدول التي غزاها الفايروس بـ”التعايش معه وديا”، فلا إجراءات مما اتخذتها الدول الأقل منها تضررا بمراحل، الرحلات الجوية مستمرة، وزيارات الأضرحة كما هي، ومنها خرج الوباء لشيعة الخليج والعراق ولبنان وسوريا.

حتى الأسبوع الأول من أبريل، كانت دوائر تفشي كورونا في الأضرحة الفارسية ناشطة كما كانت منذ أطلقت رصاصتها الأولى نحو رئة معتقدي المذهب، لنتابع فيديوهات باصات تأتي بالمئات من “المؤمنين” الشيعة من الهند وباكستان إلى قم ومشهد، رغم خطورة عودتهم بالمرض لينقلونه إلى مخالطيهم حيث تجمعات الطائفة في بلدانهم، رغم تأكيد حسن روحاني يوم 29 مارس الماضي “انتشار الفايروس داخل مجتمعنا، وأنه قد يواصل وجوده لعام أو عامين”.

قوس شكله تمرد عقائد مختلفة على قواعد العلم والسلامة الصحية. قوس اخترق الحدود الدينية على تناقضاتها

خلافا لمدرسة ولاية الفقيه، أعلن المرجع الديني الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، وقف إقامة صلوات الجماعة في المساجد ودعا التابعين للالتزام بمنع التجمعات، معتبرا أن الحرب على كورونا “واجب كفائي”، لتظهر مراقد النجف خاوية.

لكن الاختراق الإيراني المتنامي في بلاد ما بين النهرين منذ سقوط نظام صدام حسين، تجاهل المرجعية الأعلى للدولة والشعب العراقيين، والأعلى كونيا للشيعة. وتجرأت عمائم سوداء عراقية، هواها فارسي، لتتمرد علنا عليه. هاجمت دعوات تقييد زيارات الأضرحة في إيران، وأطردت مطلقيها من جنة المؤمنين، وحاربت تعليمات مرجعية النجف بتقييد ثم حظر زيارات “المراقد”، لأنها، وفق حالة إنكارها، “تجلب الشفاء” لا تسبب المرض.

قبل الحظر، حذّر خطيب عراقي شيعي معروف زائري مرقد الإمام الحسين في كربلاء من ارتداء الكمامات “لأن ذلك لا يليق بزيارة الإمام”، ولأن “التوقي ضد كورونا استهانة بقدرة الأئمة على حماية زوارهم”.

عبر الحدود في فلسطين المحتلة، بالقدس الغربية وبمستعمرات صهيونية يسيطر عليها “متدينو” الحريدم، نسخة من ذات ذهنية ولاية الفقيه. فقد رفضوا تمكين سلطات الاحتلال الإسرائيلي من تعقيم حائط البراق، المبكى يهوديا، لأن “بيت الرب لا يحتاج تطهيرا” وفق ما يعتقدون. وصفهم يهودا ميشي زهاف، رئيس منظمة الإسعاف (زاكا) لراديو جيش الاحتلال بأنهم “قنبلة موقوتة لأن بعضهم مصاب بالعدوى”.

وحسب مشاهد فيديو وتقارير متتالية لوكالة رويترز، الأسبوعين الأخير من مارس والأول من أبريل، استخدمت الشرطة الإسرائيلية طائرة مُسّيرة وأخرى هليكوبتر وقنابل صوت، أياما متعاقبة، لمنع حشود يهود متشددين في حي يستعمرونه غرب القدس المحتلة، يسمونه “ميا شعاريم”. وما إن تفرقهم حتى يعودوا للتجمع، مصرّين على خرق إجراءات صحية تهدف لإبطاء تفشي كورونا. كانوا يردون على تحركات الشرطة بالشتائم واللعنات الدينية وبهتاف “نازيون”. وإضافة إلى بث رسالة “ابق في المنزل” من الطائرتين الهليكوبتر والمُسّيرة، نفذت الشرطة غرامات بحق من تضبطهم، لم تردعهم.

والحريدم أكثر عرضة للعدوى لأنهم يقطنون، عادة، مناطق فقيرة ومكتظة، ورغم تفشي الوباء بينهم، مسجلين نصف إصابات الكيان الصهيوني، تقارب العشرة آلاف، فإنهم يتمسكون بفتاوى حاخاماتهم، التي تلزمهم بالصلاة ثلاث مرات يوميا وسط تجمعات كبيرة. واضطرت الشرطة لاستخدام القوة لإغلاق كنيس تحدى أوامر وزارة الصحة، لكنها فشلت في منع مشاركة المئات من الحريدم في جنازة متوفى بكورونا في مدينة بني براق المجاورة لتل الربيع / تل أبيب، حيث الكثافة السكانية مئة ضعف المعدل العام.

بني براق توازي قم الفارسية، 38 في المئة من سكانها، 200 ألف نسمة، مصابون بالفايروس، وبها ثلث حالات يهود الكيان. وقالت الحكومة الإسرائيلية الخميس الماضي إن الجيش سيجلي 4500 مسن، 80 عاما فأكثر، منها بالقوة، لعزلهم في فنادق صغيرة. بينما طالبت وزارة الصحة بفرض حجر كامل عليها، وهو الأرجح تطبيقا رغم رفض حاخامات الطائفة.

تغييب العقل وادعاء الحماية الربانية، في زمن كورونا، ليس قاصرا على دين أو طائفة، تابعنا مشاهد عابرة للمعتقدات، من تجمعات هندوسية، في الهند للعلاج بـ”بول البقر” المقدس، إلى تمرد خطباء مصريين على حظر صلاة الجماعة، وتظاهرات ضد الفايروس في الإسكندرية تستند لفكر “اتكالي” على الحماية الربانية، في المدينة الساحلية المصرية ربطه هتاف بـ”لبس النساء للبنطلون”.

لكنها تظل حالات فردية عابرة، تواجهها دولها بحسم، حتى في إسرائيل الكيان القائم على أساس ديني. وحدها ولاية الفقيه الفارسية التي يتوحد فيها دماغ الدولة والمرجعية الدينية وقطاعات مجتمعية واسعة، للعودة إلى ما قبل التحضر، والتعايش مع كورونا.

13