وهم فائض قوة حركة النهضة يتحول إلى هستيريا

درجة النفاق بتصريحات مسؤولي النهضة تتصاعد مع احتدام المزايدات وفق حسابات لا تبالي بتداعياتها على المشهد.
الجمعة 2021/03/05
عنوان الفشل السياسي

لا تتوانى حركة النهضة الإسلامية في تجميل نفاقها السياسي بخصوص الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ أسابيع، وهو ما بدا واضحا في تصريحات قيادييها وانعكس في المحاولات اليائسة لحزب راشد الغنوشي بحثا عن اصطفافات جديدة لتغيير المعادلة من قاعدة وهم فائض القوة الذي تحول إلى هستيريا داخل صفوف الحركة.

تونس- لم يكن التصعيد السياسي الذي دخلته حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي ضد الرئيس قيس سعيد وبقية الأحزاب والقوى الوطنية الأخرى، مباشرة بعد المسيرة التي نظمتها بشارع محمد الخامس وسط العاصمة تونس، الأول من نوعه ولن يكون الأخير بالنظر إلى وهم فائض القوة الذي ينتابها، مع الإضافات التي اقتضتها طبيعة المرحلة في علاقة بأزمة المسار الحكومي.

وبدا هذا التصعيد المُثير في عناوينه والخطير في تفاصيله التي تؤشر في حدها الأدنى على نوع من الرغبة في ضرب الأمن والاستقرار في البلاد، خصوصا حين تكون أصوات البعض من مسؤولي الحركة قد تجاوزت الاستفزاز إلى مربعات التجريح بمفردات تتعارض مع منطق الأحداث وتطوراتها، مقدمة لمحاولة فرض معادلات جديدة للصراع الدائر حاليا بين الرئاسات الثلاث.

نفاق مسؤولي النهضة

حملت تلك الاستفزازات التي جاءت على لسان رفيق عبدالسلام، صهر راشد الغنوشي، عوامل مغالطاتها بدليل أن كل ما تم تداوله حتى اللحظة لا يعدو في مساره الأساسي أن يكون مجرد محاولات تشكيك في جزء منها، ومرتبكة في بعضها الآخر، برسائل تستهدف تعطيل التوصل إلى حلول للمأزق الراهن، وفي الحد الأدنى منها عرقلتها.

فتحي العيادي سعى إلى الإيهام بأن حركته تدعم الاستقرار في البلاد
فتحي العيادي سعى إلى الإيهام بأن حركته تدعم الاستقرار في البلاد

ويمكن فهم ذلك التشكيك والارتباك من خلال تدوينات فيسبوكية كتبها عبدالسلام جاء في آخر واحدة منها أنه “في ظرف شهر واحد صدرت من قصر قرطاج كذبتان كبيرتان، الأولى كذبة الرسالة المسمومة والثانية كذبة اللقاح، وغياب الشفافية.. نحن إذًا لسنا إزاء الصادق الصدوق، أو إزاء عمر بن الخطاب، بل نحن إزاء كذب يصدر من قصر قرطاج”.

وفي سياق آخر تحدث عبدالسلام عن المدينة الصحية بمدينة القيروان التي تعهد الرئيس قيس سعيد بإحداثها قائلا “هذه كذبة أخرى وبيع للأوهام.. نتمنى أن يتم إحداثها لكن ليس هناك آليات ولا تمويلات لذلك وهي كذبة كبيرة.. ومن ينتظر حلا من قيس سعيد كمن ينتظر العسل من ذكر النحل”.

ولم يكتف بذلك التجريح والتشكيك في مصداقية الرئيس قيس سعيد وإنما ذهب إلى حد اتهامه بإثارة الفتنة والانقسام، حيث كتب في تدوينة له “الواضح اليوم أن لدينا رئيسا لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه في عالم السياسة شيئا، وهو يعيش في كوكب آخر كما ذكر.. نحن ننادي بالحوار ووحدة التونسيين، وهو لا يكف عن إثارة خطاب الفتنة والانقسام”.

وبالتوازي مع ذلك واصل مسؤولو هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين إطلاق التصريحات بأصوات تعالت وسط ضجيج لا يهدأ منذ تلك المسيرة، وعكست ازدواجية مفضوحة في الخطاب، ونفاقا سياسيا ارتقى إلى درجة الخبث الذي تجلى بوضوح في تصريحات الناطق الرسمي باسمها فتحي العيادي الذي سعى فيها إلى التركيز على زاوية دون غيرها، وذلك في محاولة للإيهام بأن حركته تدعم الاستقرار في البلاد.

وجدد العيادي في تصريحات بثتها الثلاثاء الماضي إذاعة “شمس أف.أم” المحلية التأكيد على “تمسك النهضة بدعم رئيس الحكومة هشام المشيشي في خلافاته مع الرئيس قيس سعيد، وهي بذلك ليست مع رحيل الحكومة الحالية، ولا تقبل بإقالة رئيسها ولن تتخلى عنه”.

وأضاف بلهجة لا تخلو من الاستفزاز أنه على قيس سعيد “إذا رغب في إقالة المشيشي ورحيل حكومته تطبيق الإجراءات الدستورية والتوجه إلى البرلمان لطلب تجديد الثقة في هذه الحكومة”.

ويُعد هذا الموقف المشحون بنوع من التكبر، الذي يأتي بعد المسيرة التي نظمتها حركة النهضة، تصعيدا سياسيا من شأنه تأجيج الخلافات بين المشيشي الذي يتمسك بشرعيته وبقانونية التعديل الوزاري الذي أجراه وقيس سعيد الذي يرفض أداء الوزراء الجدد الذين شملهم التعديل الوزاري اليمين الدستورية أمامه.

مع ذلك ترتفع درجة النفاق في تصريحات مسؤولي حركة النهضة، وتحتدم المزايدات وفق حسابات وموازين لا تأخذ بعين الاعتبار نتائج وتداعيات ذلك على مجمل المشهد السياسي في البلاد الذي بات يتدحرج نحو مربعات خطيرة أصبح فيها الرهان على الخروج منها مشتتا بالتساوي بين وهم فائض القوة لدى حركة النهضة ومحاولات الاصطفاف الجديدة للقوى الوسطية بحثا عن معادلات جديدة لتغيير موازين القوى.

كسر هيمنة النهضة

حركة النهضة لا تتوانى في تجميل نفاقها السياسي
حركة النهضة لا تتوانى في تجميل نفاقها السياسي 

يندرج الاجتماع التشاوري الذي عُقد مساء الثلاثاء الماضي بمقر حزب “الأمل” برئاسة الوزيرة السابقة سلمى اللومي في سياق هذه المحاولات التي تستهدف بلورة خطة للخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد، وإيجاد توازن سياسي وحزبي قادر على كسر هيمنة حركة النهضة، لاسيما وأنه عرف مشاركة ممثلين عن سبعة أحزاب، إلى جانب وزراء سابقين منهم عبدالكريم الزبيدي والأزهر القروي الشابي ومصطفى كمال النابلي وفاضل محفوظ.

ورغم محدودية هذه المحاولة فإنها أثارت قلق حركة النهضة التي تخشى تبدل موازين القوى؛ حيث سارع عبدالكريم الهاروني رئيس مجلس الشورى إلى ترويج أنّ حركته دخلت هي الأخرى في اتصالات ومشاورات مع عدد من الأحزاب الأخرى، منها حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب، وذلك للإيحاء بان حركته ليست معزولة في محيطها السياسي والحزبي.

غير أن هذه المحاولة زادت في عزلة حركة النهضة؛ حيث سارع زهير المغزاوي، الأمين العام لحركة الشعب والمتُحالف مع حزب التيار الديمقراطي، إلى نفي ما أعلنه الهاروني، إذ أكد في تصريحات بثتها إذاعة “موزاييك أف.أم” المحلية أنه لا وجود للقاءات أو حوارات سواء أكانت رسمية أو غير رسمية بين حركته وحركة النهضة لإيجاد توافقات حول الأزمة الراهنة.

النهضة وحلفاؤها جعلوا من أي حوار محتمل أمرا صعبا بعد إصرارهم على اعتماد منطق المغالبة وتثبيت الأمر الواقع

ولفت المغزاوي إلى أن حركته رفضت عقد لقاءات مع النهضة، كاشفا أن وسطاء اتصلوا بحركته وعرضوا عقد لقاءات مع حركة النهضة للتحاور ولإيجاد حلول للأزمة السياسية، حيث ردت حركة الشعب بالرفض لأن النهضة وحلفاءها جعلوا الحوار صعبا بعد إصرارهم على اعتماد منطق المغالبة وتثبيت الأمر الواقع.

ورغم هذا الصد الواضح تواصل حركة النهضة تصعيدها برسائل تعكس ضمنيا حالات الارتباك والقلق التي تنتابها نتيجة الوضع التي وصلت إليه، وتحاول الترويج لبعض المقاربات التي تبدو خارج السياق العام للتطورات السياسية بعناوينها المختلفة، لأنها مدفوعة بحسابات مُخادعة بُنيت على مغالطات مُتراكمة، لم يعد بالإمكان الرهان عليها مُجديا مهما كان حجم الحشد والتحشيد في الشارع.

7