ويل لرؤساء التحرير من بيزوس

هل لنا أن نتخيل ماذا يمكن لرؤيوي مثل بيزوس أن يفعله بالأفكار والمال لو تصرف كرئيس تحرير لمؤسسة إعلامية هي بالأساس صاحبة سبق وحضور كبيرين؟
الأربعاء 2021/02/17
إدارة مؤسسة صحافية مهمة تحتاج إلى ذكاء

رئيس التحرير مهنة صعبة. عليه أن يجمع بين عناصر كثيرة لكي يصل بالمؤسسة الإعلامية إلى شكل مقبول. المؤسسات الإعلامية المهمة تترك فرصة لرئيس تحريرها لكي يشكل شخصية الصحيفة على مدى سنوات. التقلب لا يخدم هذه المهنة أبدا.

لكن ما لا يخدمها أيضا هو عدم فهم رئيس التحرير لدوره. في عالمنا العربي على سبيل المثال، رئاسة التحرير منصب في أغلب الأحيان وليست دورا. فرصة سفر وعلاقات عامة للمعيّن. لهذا ترى التبديلات التي لا تتوقف في الصحف العربية في استقدام واستبعاد رؤساء التحرير. لا يمكن إدارة مؤسسة صحافية من مقعد في درجة رجال الأعمال في طائرة.

فهم الدور معقد. رئيس التحرير الفرح بالمنصب والناسي للدور مشكلة. سيهز المؤسسة بدلا من تطويرها. تضيع عليه الرؤية، فيضيع الهدف. وتزداد المشكلة تعقيدا مع الدخول اليومي لأدوات التغيير الحالي في الإعلام. إما سينبهر ويصير يطارد التريند والشعبية. أو يترك الأمر لغيره، مثلما يترك شأن المحتوى الذي هو أساس العمل الصحافي. في الحالين النتيجة عرجاء.

الغرق بالتفاصيل بدوره لا يقدم خدمة لرئيس التحرير. إذا ضاعت عليه الصورة الأكبر للهدف من وظيفته، فهو واحد من اثنين: إما يعوض عدم قدرته على رؤية المطلوب بالانشغال في التفاصيل؛ أو يعتقد أن هذه التفاصيل الصغيرة هي ما تجعل النجاح واردا. خطآن كبيران.

سيصيبنا من “حبه” جانب

هل توجد حلول وسط؟ من الصعب الحكم. ولكن إدارة مؤسسة صحافية مهمة تحتاج إلى ذكاء وأدوات خاصة. مثل تلك الأدوات التي يتعلمها أو يبتكرها رئيس شركة ذكي لشركته. أمثاله يحدثون الفروقات على مستوى الشركات، لكن الأبرز منهم يحدثون ثورات في فهم الدور وكيف يمكن أن يأخذ الشركة – وفي بعض الأحيان العالم كله – إلى آفاق ما كان بوسع أحد أن يتخيلها.

لنأخذ جيف بيزوس مثلا. ها هو يتخلى عن دور الرئيس التنفيذي في أمازون. نعرف قصته أكثر من اللازم. هو ممن سيتنافس التاريخ على اختيار موقعهم في لوحته التي يجمعها لهذا العصر. سينافس رواد التقنية في مايكروسوفت وأبل وفيسبوك وغوغل وتيسلا. المال الذي حققه مؤشر. لكن تأثير أمازون كبير جدا، ولا يزال في بداياته.

طور بيزوس أدوات العمل. من مبيعات للكتب قبل ربع قرن، إلى هيمنة ملموسة على قطاع المبيعات المفرق. كل شيء يمكن شراؤه من أمازون. رئيس تنفيذي ذكي يعرف ماذا يفعل في التوقيتات الصحيحة. انظروا كيف تحرك بسرعة في زمن كورونا.

الآن بيزوس ترك مهنة المبيعات ويريد أن يخصص بعضا من وقته لصحيفة واشنطن بوست التي يمتلكها. بعض من وقت بيزوس الخبير المثابر شيء خطر على كل من يقود المؤسسات الصحافية في العالم. لا يمكن الاستهانة بهذا “البعض” من الوقت. أضف إلى ذلك ماله الذي نعرف بدايته ولا نعرف أي ذروة سيصل. ميزانية مفتوحة تحلم بها دولة نفطية مسترخية.

هل لنا أن نتخيل ماذا يمكن لرؤيوي مثل بيزوس أن يفعله بالأفكار والمال لو تصرف كرئيس تحرير لمؤسسة إعلامية هي بالأساس صاحبة سبق وحضور كبيرين؟ من الصعب الحكم مبكرا، لكنه مهيأ لأن يحدث ثورة في هذه الصناعة/الصنعة التي تشهد أصعب أيامها. يا ويل رؤساء التحرير من بيزوس. يا ويلهم في كل مكان، وليس في الولايات المتحدة وحسب. سيصيبنا من “حبه” جانب.

24