يوميات كافكا تدخلنا إلى خفايا عالمه المضطرب

نص يشرح إبداعات الكاتب الأكثر إثارة في القرن العشرين يضيء عوالمها ويفسر غوامضها ويبين طبيعة ولادة بعضها.
الخميس 2019/07/25
عالم كافكا ليس كما نعتقد

يبقى الكاتب التشيكي فرانس كافكا من أكثر الكتاب العالميين إلهاما، رغم أنه لم يعش طويلا ولم يترك إنتاجا أدبيا غزيرا، لكنه ما زال مثار جدل، كاتب كابوسي خارج من رحم غريب لم يألفه الأدب العالمي من قبله. أعاد صياغة العالم ومفهوم الأدب برؤية لم يماثله فيها أحد. ربما لم تترك أعماله القيمة المعرفية الكبرى، لكنها تركت التساؤل الأبدي حول الإنسان وفيه. تساؤلات شجاعة حد القسوة. لكن يقال إن أدب كافكا وليد حياته أكثر مما هو صنعة خياله. وهذا ما قد تثبته أو تفنده يومياته.

أبوظبي – أصدر مشروع “كلمة” للترجمة في دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي مؤخرا كتابًا جديدا بعنوان “يوميات كافكا: 1910-1923” للكاتب ستيفن كونور، نقله إلى العربية المترجم والناقد الأردني الدكتور خليل الشيخ.

يتناول الكتاب تفاصيل حياة كافكا الذي شرع منذ أوائل الثلث الثاني من عام 1910 -وهو في عمر السابعة والعشرين- في كتابة يومياته، ومن ثم توقف عن كتابتها في الثاني من يوليو عام 1923 وهو على أبواب الـ40 عاما.

يوميات الروائي

تكمن قيمة يوميات كافكا في كونها تمثل نصًا شارحا لنصوصه السردية الأخرى، يضيء عوالمها ويفسر غوامضها ويبين طبيعة ولادة بعضها.

وفي كل الأحوال، يوميات كافكا تبين طبيعة أزمات العالم الكافكاوي وما فيه من اضطراب وإحساس باللاجدوى فضلاً عن أنّ التدرج فيها يكشف ما طرأ على هذا العالم من تحولات، وإن كانت كل حركة في اليوميات تتم في إطار ثوابت ذلك العالم المحكوم بالعجز وعبثية الوجود، لكن كل هذا الشعور بالاغتراب والإحساس بالفجيعة والقلق الوجودي العميق، كان يثير مسألة الهوية التي برع كافكا في التعبير عن إشكالاتها الكثيرة التي كان يعيشها على شتى المستويات.

يوميات كافكا بمثابة النص الشارح الموازي لتلك الإبداعات، والكاشف لبعض سياقاتها والقادر على بلورة معالم العالم اليومي لكافكا، من لحظات البداية، وصولاً إلى الأوقات الحرجة في حياته

شكلت مدينة براغ فضاء يوميات كافكا، فقد عاش فيها ودرس في جامعتها وعمل في مؤسساتها، وظل لا يرغب ولا يستطيع أن يغادرها. فاليوميات تكشف عن أجواء كافكا وصداقاته وخيباته ومرضه وتشاؤمه ومحاولاته للتغلب على تلك الأزمات التي أفضت إلى موته بمرض السل في سن مبكرة. يعد فرانز كافكا، التشيكي المولد، الألماني اللغة، واحدا من أبرز الروائيين في القرن العشرين، كما كانت حياته القصيرة حافلة بالمعاناة والصراع والمرض والإحساس بالخيبة، وقد صارت الكافكاوية في الأدب دلالة على لون من الكتابة يتسم بالسوداوية والوقوع في المتاهة، كما في
رواياته الشهيرة “المسخ” و“المحاكمة” و“القلعة”.

نص مواز

إن عبقرية كافكا اللافتة تتجلي بوضوح في هذا العمل، كما أن كافكا الإنسان يظهر في الكتاب ببعض ملامحه التي قد يجهلها البعض، وقد يجد فيها البعض تعارضا مع ما يكتب، أو تطابقا أو تكاملا بين كافكا الكاتب وكافكا الشخص المعتل والعاشق والهزيل والمحبط والسعيد، فقد جمع الكاتب يومياته بنفسه، وأهداها إلى صديقته ميلينا، راجيًا إيَّاها ألا يراها أحد قبل وفاته، لكن صديقه ماكس برود حصل على اليوميات ونشرها لاحقا "غير مكتملة" عام 1937، ثم نشرت كاملة في أوائل الخمسينات. تجيء يوميات كافكا بمثابة النص الشارح الموازي لتلك الإبداعات، والكاشف لبعض سياقاتها والقادر على بلورة معالم العالم اليومي لكافكا، من لحظات البداية، وصولاً إلى الأوقات الحرجة في حياته التي انتهت بمرض السل وبالوفاة في مستشفى كيرلينج بالقرب من مدينة فيينا.

ملامح قد يجهلها البعض
ملامح قد يجهلها البعض

ويبقى من الآراء اللافتة حول هذا الكتاب ما قالته الكاتبة الكويتية بثينة العيسى التي كتبت “قراءة ‘يوميات كافكا‘ تشبه أن تضيع إلى الأبد في الإحساس العارم بالخزي. تشبه التيه. تشبه التجول في جغرافيا جرح ملتهب بلا خارطة. أتعبني كافكا الأديب، بعبقرية محضة، أما كافكا الإنسان فهو مجرد خيبة أمل”.

ربما من هنا نفهم جدلية يوميات كافكا، التي تعيد إلى الأذهان صورة الأديب بين نصه وواقعه، حيث لا وجه واحد للكاتب، بل وجوه متعددة، ومن الخطأ الاعتقاد بتلك النظرة الأولية التي تطابق بين كل كاتب وشخصياته أو أعماله الأدبية.

ويذكر أن مترجم الكتاب خليل الشيخ، عضو الهيئة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وأستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وباحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة عام 1986 من جامعة بون في ألمانيا، وعمل أستاذًا زائرا في جامعات عديدة.

نشر ما يزيد على ثلاثين بحثًا علميا محكّما، والعديد من الدراسات النقدية في الأدب المقارن والنقد الأدبي والسرديات والسيرة الذاتية، كما ترجم الكثير من الدراسات النقدية والفكرية والأعمال الإبداعية عن الألمانية، بالإضافة إلى نصوص للأطفال وروايات الناشئة.

14